كتاب عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد في إعراب الحديث
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الكتاب]
رب يسر وأتمم بخير فأنت كريم ...
الحمد لله الذي خص هذه الأمة بالإسناد والإعراب، وصلى الله على سيدنا محمد والآل والأصحاب.
وبعد:
فقد أكثر العلماء قديما وحديثا من التصنيف في إعراب القرآن، ولم يتعرضوا للتصنيف في إعراب الحديث سوى إمامين: أحدهما الإمام أبو البقاء العكبري، فإنه لما ألف إعراب القرآن المشهور1 أردفه بتأليف لطيف في إعراب الحديث، أورد فيه أحاديث كثيرة من مسند أحمد وأعربها، إلا أنه لاختصاره، ونزرة ما أورده فيه من النزر القليل، لا يروي الغليل، ولا يشفي العليل.
والثاني الإمام جمال الدين بن مالك، فإنه ألف في ذلك تأليفا خاصا بصحيح البخاري، يسمى "التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح".
وقد استخرت الله تعالى في تأليف كتاب في إعراب الحديث، مستوعب جامع، وغيث على رياض كتب المسانيد والجوامع هامع2، شامل للفوائد البدائع شاف. كافل بالنقول والنصوص كاف، أنظم فيه كل فريدة، وأسفر فيه النقاب عن وجه كل خريدة3 وأجعله على مسند أحمد مع ما أضمه إليه من الأحاديث المزيدة، وأرتبه على حروف المعجم في مسانيد الصحابة، وأنشيء له من بحار كتب العربية كل سحابة.
واعلم أن لي على كل كتاب من الكتب المشهورة في الحديث تعليقة، وهي الموطأ4، PageV00P000
ومسند الشافعي1، ومسند أبي حنيفة2، والكتب الستة3 ولم يبق إلا مسند أحمد. ولم يمنعني من الكتابة عليه إلا كبر حجمه جدا، وعدم تداوله بين الطلبة كتداول الكتب المذكورة، وقدرت التعليقة عليه تجيء في عدة مجلدات، والتعاليق التي كتبتها لا تزيد التعليقة منها على مجلد.
فلما شرح الله صدري لتصنيف هذا الكتاب، عرفته بمسند أحمد، عوضا مما كنت أرومه عليه من التعليقة، ولكونه جامعا لغالب الحديث المتكلم على إعرابه. فإن شئت فسمه "عقود الزبرجد على مسند أحمد" وإن شئت فقل "عقود الزبرجد في إعراب الحديث" ولا تتقيد.
والله أسأل أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، موجبا للفوز بجنات النعيم، إنه البر الرحيم ...
مقدمة
[في الاستشهاد بالحديث]
اعلم أن كثيرا من الأحاديث روتها الرواة بالمعنى، فزادوا فيها ونقصوا، ولحنوا، وأبدلوا الفصيح بغيره، ولهذا تجد الحديث الواحد يروى بألفاظ متعددة، منها ما يوافق الإعراب والفصيح،
ومنها ما يخالف ذلك4.
وقد قال الحافظ فتح الدين بن سيد الناس5: "إذا ورد الحديث على وجهين ما يوافق الفصيح وما يخالفه، فالموافق للفصيح هو لفظ النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن ينطق إلا بالفصيح". PageV00P000
وقد نقل هذا الكلام عن المزني1.
قال أبو عاصم العبادي2- من متقدمي أصحابنا- في طبقاته: "قال المزني: لا يروى في الحديث خطأ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أفصح العرب، فلا يجوز أن يروي خطأ".
وقال أبو الحسن بن الضائع3- بالضاد المعجمة- في شرح الجمل4:
"تجويز الرواية بالمعنى هو السبب عندي في ترك الأئمة كسيبويه وغيره الاستشهاد على إثبات اللغة بالحديث، واعتمدوا في ذلك على القرآن وصريح النقل عن العرب. ولولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى في الحديث لكان الأولى في إثبات فصيح اللغة كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه أفصح العرب".
قال: "وابن خروف5 يستشهد بالحديث كثيرا فإن كان على وجه الاستظهار والتبرك بالمروي