الفصل الأول: الصلوات الخمس كفارة لما بينها
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام العالم العلامة والبحر الفهامة نور الدين علي بن الشيخ الإمام العلامة القاضي جمال الدين عبد الله الحسيني السمهودي، نفع الله به وبعلومه آمين:
أما بعد:
حمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى، فهذه ثلاثة فصول هي للمغفرة، إن شاء الله، قواعد وأصول.
الفصل الأول: في تحقيق معنى قوله (صلى الله عليه وسلم): الصلوات الخمس كفارة لما بينها ما اجتنب الكبائر، ونحوه من الأحاديث، مع ما تقرر من أن اجتناب الكبائر فقط، ليس بسبب لتكفير الصغائر، وتحقيق الرد على من خالف ذلك.
الفصل الثاني: في الكلام على ما ورد من إطلاق غفر جميع الذنوب من غير تقييد بالتوبة عند فعل بعض الطاعات على ما ذكره القرافي. من الفروق بين مكفرات الذنوب وأسباب المثوبات. وبيان أن من الأعمال ما يكفر الذنوب السابقات واللاحقات.
الفصل الثالث: في سرد الخصال المكفرة للسيئات المتقدمة والمتأخرة، ولقد لخصت في هذا الفصل الكتاب الجليل المسمى: بمعرفة الخصال المكفرة للذنوب المتقدمة. والمتأخرة لشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر، وقد أزيد بعض القواعد في الأثناء، فأقول في أولها، وفي آخرها: والله أعلم، وسميت ذلك: بالمقالات المسفرة عن دلائل المغفرة والله أسأل أن يغفر لنا به جميع الذنوب وينيلنا به المطلوب.
الفصل الأول
أعلم وفقني الله وإياك أن الإمامين البخاري ومسلم رويا حديث: الصلوات الخمس كفارة لما بينها، وزاد مسلم: ما اجتنبت الكبائر، فاستشكلت ذلك، لأن اجتناب الكبائر وحده مكفر للصغائر، لقوله تعالى: {إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم}، ثم رأيت الإشكال المذكور في مختصر صحيح PageV01P175 # البخاري للحافظ ابن حجر، فإنه قال في الكلام على رواية البخاري: قال القرطبي: صاحب المفهم: ظاهر الحديث أن الصلوات الخمس تستقل بتكفير جميع الذنوب، وهو مشكل، زاد مسلم من رواية العلاء: ما اجتنبت الكبائر، فعلى هذا المقيد يحمل على ما أطلق في غيره، وقال ابن بزيزة في شرح الأحكام: يتوجه على حديث العلاء إشكال، وهو أن الصغائر، بنص القرآن، مكفرة باجتناب الكبائر، فما الذي تكفره الصلوات الخمس، نقل الحافظ ابن حجر عن شيخه البلقيني أنه قال: السؤال غير وارد؛ لأن مراد الله إن تجتنبوا الكبائر في جميع العمر، ومعناه الموافاة على هذه الحالة من وقت الإيمان أو التكليف إلى الموت، والذي في حديث العلاء أن الصلوات الخمس تكفر ما بينهما، أي في يومها إذا اجتنبت الكبائر في ذلك اليوم، فلا عارض بينهما. ولك أن تقول التعليق على الكبائر جميع العمر إلا الإتيان بالصلوات الخمس في كل يوم، فالتكفير حاصل بما تضمنه الحديث، فما الفائدة بالاجتناب المذكور في الآية مع أن هذه الزيادة ألحقت بالأصل، فاجتناب الكبائر مطلق في الآية والحديث، فمن له هذا التفريق، وكأنه أخذه من لفظة ما المذكورة في الحديث، وجعلها مصدرية ظرفية، أي مدة اجتناب الكبائر، ولكن ورد ذلك كما اقتضته الروايات المختلفة بلفظ: إذا بدل ما وهي تبين أن المراد اشترط ذلك، كما اقتضته الآية، ولا تسلم أن المراد، فمن الآية ما ذكره، بل المراد أن ثواب اجتناب الكبائر في وقت يكفر الصغائر فيه، فقال: قال PageV01P176 # البيضاوي في تفسيره: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه: كبائر الذنوب التي نهاكم الله عنها، قرئ على إرادة الجنس، نكفر