الفصل الأول في أن الطلاق الثلاث يقع ثلاثا
هذا هو الصحيح من المذهب، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره؛ كما سيأتي، وهذا القول مجزوم فيه في أكثر كتب أصحاب الإمام أحمد؛ ك ((الخرقي))، و((المقنع))، و((المحرر))، و((الهداية))، وغيرهم من كتب أصحاب الإمام أحمد، ولا يعدل عنه.
قال الأثرم: (سألت أبا .. .. .. PageV01P422
عبد الله عن حديث ابن عباس ((كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر [وسنتين من خلافة] عمر، [طلاق الثلاث] واحدة)) بأي شيء تدفعه؟ فقال: برواية الناس عن ابن عباس أنها ثلاث)، وقدمه في ((الفروع))، وجزم به في ((المغني))، وأكثرهم لم يحك غيره. والله أعلم بالصواب. PageV01P423
الفصل الثاني فيمن قال بهذا القول وأفتى به
قال به ابن عباس غير مرة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأنس، ذكره في ((المغني))، PageV01P424 وقال: ((هو قول أكثر أهل العلم))، وبه قال أحمد: والشافعي، وأبو حنيفة، ومالك، وابن أبي ليلى، والأوزاعي.
وقال به من أصحابنا الخرقي، والقاضي، وأبو بكر، وابن حامد، وابن .. .. .. PageV01P425
عقيل، وأبو الخطاب، والشيرازي، والشيخ موفق الدين، والشيخ مجد الدين -وليس مطلقا كما سيأتي-، والشريف، حتى أكثر أصحاب الإمام أحمد على هذا القول. وفي ((إجماع)) ابن المنذر ما يدل على أنه إجماع، ليس بصريح فيه. وهذا القول اختاره ابن رجب، وقد صنف ردا على من قال بخلافه. والله أعلم بالصواب. PageV01P426
الفصل الثالث في ذكر ما احتجت به هذه الطائفة، ومالها، وما عليها
قال في ((أعلام الموقعين)) -بعد ذكره دليل الطائفة الأولى- ثم قال: (لكن رأى أمير المؤمنين عمر أن الناس استهانوا بأمر الطلاق، وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة، فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم؛ ليعلموا أن أحدهم إذا أوقعه جملة، بانت المرأة، وحرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره نكاح رغبة، يراد للدوام، لا نكاح تحليل؛ فإنه كان من أشد الناس فيه، فإذا علموا ذلك، كفوا عن الطلاق [المحرم].
فرأى عمر أن هذا مصلحة لهم في زمانه، ورأى أن ما كان عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الصديق وصدر من خلافته كان لا يليق بهم؛ لأنهم لم PageV01P427 يتتابعوا فيه، وكانوا يتقون الله في الطلاق، وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجا، فلما تركوا تقوى الله، وتلاعبوا بكتاب الله، وطلقوا على غير ما شرعه الله، ألزمهم بما التزموه؛ عقوبة لهم؛ فإن الله إنما شرع الطلاق مرة بعد مرة، ولم يشرعه كله مرة واحدة، فمن جمع الثلاث في مرة واحدة، فقد تعدى حدود الله، وظلم نفسه، ولعب بكتاب الله، فهو حقيق أن يعاقب، ويلزم بما التزمه، ولا يقر على رخصة الله وسعته، وقد صعبها على نفسه، ولم يتق الله ويطلق كما أمره الله وشرعه له، بل استعجل فيما جعل الله له الأناة فيه، رحمة منه وإحسانا، وليس على نفسه، واختار الأغلظ والأشد.
وهذه قاعدة، وهي: ((من تعجل شيئا قبل أوانه، عوقب بحرمانه)) وهذه من حسن سياسة عمر وتأديبه لرعيته، وقد وافقه الصحابة على ما ألزم به، وصرحوا لمن استفتاهم بذلك.
قال عبد الله بن مسعود: ((من أتى الأمر على وجهه، فقد بين PageV01P428 [الله له]، ومن لبس على نفسه جعلنا عليه لبسه، والله لا تلبسون على أنفسكم فنحمله عنكم. هو كما تقولون)).