مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
وهو حسبي
الحمد لله المنتصر لأوليائه، المنتقم ممن عاداهم بأنواع بلائه.
أحمده على جزيل عطائه، وأشكره على كثير نعمائه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تجعلنا من أحبابه وأصفيائه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابه وأزواجه وأبنائه، وسلم تسليما.
أما بعد:
فإن الله -عز وجل- اختار صفوة من خلقه، فأحبهم وأحبوه، ورضيهم لنفسه فعبدوه وأطاعوه، فإن سألوه أعطاهم، كان توجهوا إليه مناهم، وإن أشرفوا على رياض قدسه حياهم، فهم هم، وليس غيرهم إياهم. PageV01P021
مدح الأولياء والصالحين في كتاب الله، وكونهم من خواص الله وأحبابه
* - مدحهم في كتابه، وجعلهم من خواصه وأحبابه، فإذا تأملت غالب القرآن، وجنته في مدحهم ووصفهم، وذم أعدائهم وحزبهم، فمن والاهم والاه، ومن عاداهم عاداه، فإبليس حين أبغضهم قلبه، أقصاه ربه، وذمه هو وحزبه.
فتأمل إلى الفريقين، وما ذكره الله فيهما من مدح وذم، وموالاة ومعاداة، قال الله -عز وجل-: {ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون (14) أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون (15) اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين} يذلهم ويهينهم، {لن تغني عنهم أموالهم} وإن كثرت، {ولا أولادهم} وإن قويت {من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (17) يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون (18) استحوذ عليهم الشيطان} لما أطاعوه واتبعوه {فأنساهم ذكر الله}، فلم يكن لهم في الله نصيب، ولا له فيهم حبيب، {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} في الدنيا والآخرة {إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين} جعل الله لهم الذلة في الدنيا والآخرة، {كتب الله} في كتابه قبل خلقه {لأغلبن أنا ورسلي} لجميع من عادانا {إن الله قوي عزيز} على كل أحد من خلقه {عزيز} [المجادلة 14: 21] لا يصل إليه أحد منهم بأذى.
ثم انتقل إلى وصف أوليائه، فقال: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله}؛ أي: يحبونهم {ولو كانوا PageV01P022 # آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم}؛ لأن قلوبهم مع الله واقفة، لا يحبون إلا من أحب، ويبغضون من أبغض، فليست قلوبهم مع إرادتهم وشهوتهم، {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان}، فلا يدخله غير مراد الله، {وأيدهم بروح منه}، فلم يتمكن منهم عدو، {ويدخلهم} في الآخرة {جنات تجري من تحتها الأنهار} في جواره {خالدين فيها رضي الله عنهم} في الدارين {ورضوا عنه} فيهما، فهم مطبوعون على الرضا بقدر الله، ليس لهم شهوة غير ما قضى لهم وقدر {أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} [المجادلة: 22].
فدونك الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان؛ فإن هذه الآيات قد احتوت على الفريقين، فزن نفسك بهذا الميزان، واعتبرها بهذا الاعتبار، فإن رأيتها من حزب الله وأوليائه، تؤمن بالله ورسوله صادقة، وتقرب مراده على مرادها، ولا تواد من حاربه وعصاه، ولو كان والدا أو ولدا أو أخا، ولا تحب إلا له، ولا تبغض إلا له، فأنت من حزبه.