((باب في كلب أصحاب الكهف))
كان أصحاب الكهف فتية [شبابا] متقاربي السن، أصحاب صيد، وكانوا على الحق وعبادة الله -عز وجل-،فلما أظهر قومهم الكفر والشرك وعبادة PageV01P083 الأوثان اعتزلوهم، وكانوا على عبادة الله وصيدهم. وأووا إلى كهف، وكانوا في عزلة من قومهم هم وكلبهم الذي كان معهم يصيدون به، فألقى الله -عز وجل- النوم والسبات، وصرف الله عنهم الناس والأبصار، فلم يبصرهم أحد، ولا فطن بمكانهم، فلبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين، حتى انقرضت الأمة التي كانوا منها، والملك الذي كان عليهم، وبعث عيسى ورفع، وأخبر عنهم.
ثم إن الله -عز وجل- رد عليهم أرواحهم فقالوا بعضهم لبعض: كم لبثتم؟ قالوا: يوما أو بعض يوم، وكان معهم دراهم فقالوا: ابعثوا أحدكم بها إلى المدينة يأتينا منها برزق نأكله، وليتلطف، ولا يخبر بنا أحدا منهم، فإنهم إن اطلعوا علينا رجمونا أو أكرهونا على العودة في ملتهم، ويكون سبب خسراننا، وأنا لا نفلح أبدا، وظنوا أن قومهم أحياء، وأن مدة نومهم [يوم واحد].
فانطلق أحدهم حتى دخل المدينة، فلما دخل رياض المدينة أنكرها، وأنكر كل ما كان فيها، وأنكر الناس في صغرهم وتغيرهم، ووجد معهم دراهم غير الدراهم التي معهم، فتحير وأنكر ذلك، وجعل يتردد، ويقبل ويدبر، وأبطأ على أقرانه.
فلما شك وارتاب أقبل إلى مشايخ من مشايخهم توسم منهم (الخير) فوجد معهم الإنجيل يقرءونه، فسمع ما فيه من توحيد الله وعظمته فعرف ذلك، واستمع له، ثم سألهم فأخبروه عن بعث عيسى، وأنه رفع، وقال: كم أقام فيكم؟ قالوا: (ثلاث) وثلاثون سنة، ثم سألهم عن ملكهم الذي كان في زمانهم دقيانوس، وهل بقي أحد من ملته وما كانوا عليه من الكفر؟ قالوا: لا PageV01P084 وأنكر الناس خلقته وهيئته والدراهم التي معه، وأخبروه أن عيسى أخبرهم عنهم، وعرفوا أنه منهم، فأكرموه، وقاموا يطلبونهم، وأخبروه أن الكلب من علامتهم، فلما وصلوا إلى مكانهم أوقفهم، ودخل على أصحابه فأخبرهم بما رأى، فسألوا الله -عز وجل- أن يطبق كهفهم عليهم وعلى كلبهم، ففعل الله -عز وجل- ذلك، فبقي أهل المدينة واقفين متحيرين، فكان آخر العهد بهم، وتنازع الناس في أمرهم كما أخبر الله -عز وجل-، منهم من يقول: ثلاثة رابعهم كلبهم، ومنهم من يقول: خمسة سادسهم كلبهم، ومنهم من يقول: سبعة وثامنهم كلبهم.
وذهب ابن عباس وغيره أنهم سبعة والكلب ثامنهم. PageV01P085