إلى غير ذلك من الحكايات المهولة.
وكذلك ورد عن عثمان -رضي الله عنه- أحوال وحكايات في ذلك.
وكذلك عن علي -رضي الله عنه-.
إلا أنه في زمن معاوية حصل أدنى توسع، ثم حصل السرف في زمن يزيد، ثم حصل فيما بعد ذلك، ثم عاد في زمن عمر بن عبد العزيز، ثم اختل بعده.
إلا أنه في هذا الزمان، فسد الأمر بالكلية، ولم يبق للمسلمين مال، ولا بيت مال، إنما عاد المال لصاحب الحال، حتى إنهم يكنزونه لأنفسهم وأولادهم، وليس ثم على أحد منهم لا من إسلام، ولا مسلمين، ولا مصالح لا عامة ولا خاصة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فصل
وأما بلاد المسلمين: فإن عمر -رضي الله عنه- لما فتح البلاد، وأخذها بعد موت النبي صلي الله عليه وسلم، فإن الذي أخذ في زمن النبوة مكة، وبلاد الحجاز، ثم في خلافة أبي بكر لم يؤخذ غير بلاد قليلة من بلاد نجد واليمن، فلما كان في خلافة عمر- رضي الله عنه-، أخذ جميع بلاد اليمن، ونجد، وجميع بلاد مصر، وجميع بلاد الشام، وبيت المقدس، وغزة، والرملة، ودمشق، وبعلبك، وحمص، وحماة، PageV01P247 # وحلب، وجميع بلاد العراق، كلها أخذها من أهلها قهرا بالسيف، إلا أماكن يسيرة من بلاد العراق، وهي: الحيرة، والليس، وبانقيا، وأرض بني صلوبا، فإن هذه الأماكن أخذت صلحا، ولما أخذها، وتم الأمر فيها، وصارت في يده وحوزه، وقفها على المسلمين.
وقد اختلف العلماء في أرض العنوة، هل تصير وقفا على المسلمين بنفس الاستيلاء عليها، أو أن الإمام يخير فيها، مهما رأى فيها يفعله، إن شاء وقفها، وإن شاء أقطعها، وإن شاء باعها وصرفها في مصالح المسلمين، وإن شاء أرصدها للمسلمين مهما رأى فيها يفعل، أو أنها تصير للإمام يتصرف فيها بما شاء؟
وحاصل الأمر: أن عمر -رضي الله عنه- وقف جميع هذه البلاد: بلاد مصر، وبلاد الشام كلها، وبلاد العراق على المسلمين، فكان المتحصل منها يصرف في مصالح المسلمين من أمورهم، الأهم فالأهم؛ من الجهاد، والمصالح، وغير ذلك، وما فضل يقسمه بين المسلمين.
ثم لم يزل الأمر على ذلك زمنا من زمن الخلفاء، ولم يكونوا يرون التوسع من ذلك في المراكب والملابس، والمآكل والمشارب، وكانوا يعدونه من التخول في مال الله بغير حق.
فلما صار في زماننا، وقبله، استأثر الولاة بها، واستقطعوها لأنفسهم، فصار للسلطان في كل بلاد منها ما يصلح له من خيارها, كزرع، وداريا، وعيثا، وغير ذلك من أحسن البلاد، ولنائب الشام بعده ما هو دون ذلك, مثل: حرستا، وعدرا، وعقربا، والزبداني، ونحو PageV01P248 # ذلك مما يناسبه، ولأمير كبير بعده؛ مثل: دوما، ونحوها، ولكل أمير من ذلك، وكل نائب، وكل أحد من الولاة ما يليق به، فتخولوا في ذلك، وشروا منه الخيل واللباس من الحرير وغيره، والمماليك الكثيرة المتخذة للواط وغيره، والعبيد الكثيرة المتخذة للواط وغيره، والسراري، وبنوا الدور العظيمة، وتوسعوا في المآكل والمشارب، فبطروا وأشروا، فخرجوا من الحلال إلى الحرام، وشربوا الخمور، ووطئوا الإناث والذكور، ودخل إليهم الشيطان من سائر الحيطان، واتخذوا الأعوان من كل مارد شيطان، فأمروهم بالظلم والمعاصي، فلست ترى في بابهم غير كلب بلاصي، وطردوا الفقهاء والقراء، وصاروا أعداءهم في السراء والضراء، فإن حصل لواحد منهم فلتة، أو دخل إليهم بغتة، لم يسعه غير الموافقة والمعاشرة والمرافقة، فإن سكروا سكر، وإن بطروا، بطر، وإن جاؤوا بحرام، أفتاهم بأنه عين الحلال، فيده متناولة قبل أيديهم، وهو كالشيطان يغويهم، فهذا شأنه يفسد أكثر مما يصلح، وليس يرعوي عن قبيح ولا يفلح. PageV01P249