والأربعة أسهم الباقية من الغنيمة لمن شهد الوقعة.
الثالث من أموال المسلمين: المال المأخوذ من الكفار بغير قتال؛ كالجزية، والخراج، والعشر، وما تركوه فزعا، ونحو ذلك، وهذا لعموم المسلمين، يصرف في مصالحهم العامة, من سد الثغور، وكفاية أهلها، وسد البثوق، وكري الأنهار، وعمل القناطر، وأرزاق القضاة والأئمة والمؤذنين، وإصلاح الجوامع والمنابر والطرقات، وتكفين من لاكفن له، والإنفاق على من لا مال له، وكل ما كان للمسلمين من مصلحة عامة، أو دفع ضرر عام, فإنه يصرف منه، ولا يجوز لأحد الاختصاص به.
المال الرابع من أموال المسلمين: مال من مات لا وارث له من المسلمين، فإن هذه الأموال كلها يأخذها الإمام، ويجعلها في بيت المال.
واختلف العلماء فيمن مات لا وارث له، أخذ ماله لبيت المال، PageV01P244 # هل هو لكون بيت المال وارثا، أولا؟ على قولين:
فقال بعضهم: هو وارث.
وقال بعضهم -وهو ظاهر كلام أحمد-: إنما هو مرصد؛ فإنه ليس ثم من ميت إلا وله وارث من قريب أو بعيد، فإنا نبدأ في الإرث بالأقرب فالأقرب، فلا بد للإنسان من أقارب، قربوا أو بعدوا, من أولاد أب، أو جد، أو جد جد، أو جد جد جد، وكذلك هلم جرا، فهو لا يخلو منهم، وهم يرثونه، فلما جهلوا، صار ماله جهل مستحقه، فوضع في محل يرصد له فيه، وهو بيت المال، ثم مع عدم علمه وجهله، صرف في مصالح المسلمين العامة، فمال بيت المال يصرف في مصالح المسلمين العامة، حتى إن تبقى منها شيء، فإن لم يف بها، صرف كله في ذلك، وإن كفاها، ولم يفضل منه شيء، فقد سد الوجه الذي هو محله، وإن فضل منه شيء بعدها، قسم بين المسلمين، ويقدم الأقرب فالأقرب من رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، من أبناء المهاجرين، ثم لمن كان من أبناء الأنصار، ثم سائر المسلمين.
وكان العطاء في زمن الخلفاء يصرف (¬1) إلى كل أحد حقه منه على قدره من صغير وكبير، حتى إلى الأطفال، وليس للولاة، ولا الإمام، ولا غيره أن يستأثروا منه بشيء فوق الحاجة، وفعل ذلك ظلم، ففي زمننا هذا استأثروا به كله، ولم يعطوا أحدا منه شيئا، واختصوا به، ولم يكفهم حتى أخذوا معه البراطيل على الولايات، والرشا، ولم يكفهم ذلك حتى أخذوا من الناس من أموالهم فوقه. PageV01P245
وقد روينا في الصحيح عن السيد أبي بكر- رضي الله عنه-: أنه قال للمسلمين: قد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، ويحترف لهم فيه (¬1).
وورد عن عمر في ذلك حكايات كثيرة مهولة, مثل قوله: سيأكل عمر وآل عمر من هذا المال نفقة رجل من أوسطهم، ليس بغني، ولا فقير.
وكان يؤدم طعامه بالزيت، وكان الزيت لا يوافقه، فلم يكن يدع ذلك، ولا يشتري السمن؛ خوفا من أن يتوسع في مال المسلمين.
ولما وصف له العسل لأجل بطنه، ولم يجد عسلا إلا عكة في بيت مال المسلمين، لم يأخذها، ولم يأكلها حتى جمع المسلمين، واستشارهم، واستأذنهم في أخذها وأكلها (¬2).
ولما أطعمه بعض مواليه شيئا من ناقة ذبحت، جمع المسلمين، واستأذنهم في ذلك، واستشارهم، ولم تسكن نفسه حتى أخبره علي أنه يستحق ذلك، وأكثر منه.
ولما أخذ بعض أصاغر ولده درهما من المال، غدا خلفه، وخلصه منه، ورده.
ولما مسحت زوجته أثر يدها من طيب مسته من طيب المسلمين، PageV01P246 # غسله بالماء والتراب، حتى ذهب ريحه (¬1).