فصل
وأما الخليفة: فهو مأخوذ من الإستخلاف، وهو جعل الرجل
[رجلا] مقامه في أمر، ولهذا قيل لأبي بكر: خليفة رسول الله،
ولهذا في الحديث: وإن أستخلف، فقد أستخلف من هو خير مني (¬3).
وفي حديث عمر: أوصي الخليفة من بعدي (¬4).
وقال أسامة لأبي بكر: يا خليفة رسول الله (¬5). PageV01P025
وهو -أيضا- عبارة عن الإمام والسلطان.
فصل
وأما أمير المؤمنين: فهو اسم مركب من مضاف، ومضاف إليه.
فالأمير: من الإمرة، والإمارة، وهي كبر الشيء، ومنه الحديث: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة (¬1).
والمؤمنين: جمع مؤمن، وهو: من وجد فيه الإيمان، وهو التصديق بالله ورسوله.
وأول من تسمى بهذا الاسم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.
فصل
وأما ولي الأمر: فهو أعم من ذلك، فيطلق على الإمام، وغيره، وهو اسم قد نطق به القرآن بقوله: {وأولي الأمر منكم} [النساء: 59].
فهذه الأسماء التي تطلق على السلطان.
فصل
لم يطلق اسم ملك على أحد من الصحابة، ولا من بعدهم، وكذلك مسمى السلطان، [و] قد وجد مسمى الإمام. PageV01P026
وأما الخليفة: فأول من أطلق عليه: أبو بكر الصديق، ثم عثمان، ثم علي، ثم كذلك على من بعدهم.
وأما أمير المؤمنين: فأول من تسمى به: عمر بن الخطاب، ولم يسم به أبو بكر، ثم تسمى به عثمان، ثم علي، ثم على كل من بعدهم.
فصل
وأما مسميات غير السلطان الكبير؛ من نيابة، ومن تحته: فمنهم من له حكم عام أو خاص، أو لا حكم له.
وأعلى من تحته: القاضي، وهو من قضى يقضي قضاء: إذا أمر، قال الله -عز وجل-: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23]، وفي الحديث: "أقضاكم علي" (¬1).
وقد اختلف العلماء في القاضي، هل هو وكيل الإمام، أو وكيل المسلمين؟
فإن قلنا: هو نائب عن الإمام، فهو من جملة نوابه، ينعزل بعزله، ويتولى بولايته. PageV01P027
وإن قلنا: إنما هو للمسلمين، فحينئذ الإمام ينظر في الابتداء للمسلمين في أصلح من يجد، فإذا وجد، لم يكن له عزله من غير موجب شرعي يمنع منه.
وقد اختلفت الرواية عن أحمد -رضي الله عنه- في القاضي، هل ينعزل بعزل السلطان مع صلاحيته؟ على روايتين:
إحداهما: ينعزل، وعليها العمل.
والروايه الثانية: لا ينعزل، وأصلهما ذلك.
وقد كان في عصر النبوة من ولاة القضاء؛ كعلي وغيره، ثم وقع ذلك في زمن عمر، إلا أنه لم يكن على باب الاختصاص، ثم وقع في ولاية علي على باب الاختصاص، فولى شريحا، وسماه بقاضي المسلمين، وقبل أحكامه حتى على نفسه، ثم استمر على ذلك الخلفاء بعده ثم وقع الاصطلاح: أن الخليفة يولي واحدا لا غير في جميع معاملاته، وسموه ب: قاضي القضاة، وهو يولي من تحت يده في سائر البلاد.
وكان أول من فعل بذلك أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، ثم استمر بعده الأمر على ذلك، وكان ممن ولي كذلك: القاضي أبو يعلى بن الفراء من الحنابلة، وغيره من الحنفية والشافعية، ولم يكن يقصد من مذهب واحد.
ثم إنه بعد ذلك كان يخص كل بلد بقاض من الإمام، وكان يقع الإجتهاد في أن يكون أعلم من يوجد، وأفضله. PageV01P028
ثم جعل في كل بلد أربعة قضاة من المذاهب الأربعة حين وقع الإتفاق والإستقرار على المذاهب الأربعة، وكان الإمام يجتهد ويتحرى أن يكون أفضل من يوجد، وأعلمه.
وأول من تولى قضاء الحنابلة بدمشق الإمام شمس الدين بن أبي عمر المقدسي الحنبلي مكرها على ذلك.