فصل
وإذا تمت الولاية، وحصلت لرجل، لزمه من أمور الأمة أشياء يقوم بها. PageV01P095
قال القاضي: يلزمه القيام بعشرة أشياء:
الأول منها: حفظ الدين علي الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة، فإن زاغ ذو شبهة عنه، بين له الحجة، وأوضح له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروسا من خلل [و] الأمة [ممنوعة من زلل]، وهذا الأمر يحتاج إلي علم في الإمامة، وحرمة، وقوة.
الثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصومات بينهم بنفسه ونوابه حتى تظهر النصفة، فلا يتعدى ظالم، ولا يضعف مظلوم، وهذا يحتاج إلي علم، وحرمة، وقوة.
الثالت: حماية البيضة، والذب عن الحوزة؛ ليتصرف الناس في المعايش، وينتشروا في الأسفار والبلاد آمنين، وهذا يحتاج إلي حرمة، وقوة.
الرابع: إقامة الحدود؛ لتصان محارم الله تعالي عن الإنتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك، وهذا يحتاج إلي علم؛ ليعلم ما يوجب الحد مما لا يوجبه، وماذا يجب فيه من الحد، وكيف يجب، وكيف يقام، ومتى يقام، إلي غير ذلك، ويحتاج -أيضا- إلي حرمة، وقوة.
الخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة، والقوة الدافعة، حتى لا يظهر الأعداء بغرة فينتهكون شيئا، ويسفكون دم مسلم، أو معاهد، وهذا يحتاج إلي حرمة، وقوة أكثر، وإلي علم أقل.
السادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم، أو يدخل PageV01P096 # في الملة، وهو كالذي قبله يحتاج إلي حرمة، وقوة أكثر، ويحتاج إلي علم أقل.
السابع: جباية الفيء والصدقات علي ما أوجبه الشرع نصا واجتهادا من غير عسف، ودفع ذلك في مستحقاته، وهذا يحتاج إلي علم أكثر، وحرمة وقوة أقل.
الثامن: تقدير العطاء، وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقصير، ودفعه في وقته من غير تقديم ولا تأخير، وهو يحتاج إلي علم أكثر، وقوة أقل.
التاسع: استكفاء الأمناء، وتقليد النصحاء، فيما يفوضه إليهم من الأعمال، ويكله إليهم من الأموال؛ لتكون الأعمال مضبوطة، والأموال محفوظة، وهو يحتاج إلي علم وقوة.
العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفح الأحوال، ويقوم بسياسة الأمة، وحراسة الملة، ولا يعول علي التفويض تشاغلا بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين، ويغش الناصح (¬1)، وقد قال الله تعالي: {ياداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى} [ص: 5 - 26]، فلم يقتصر سبحانه علي التفويض دون المباشرة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته" (¬2). PageV01P097
وإذا قام الإمام بحقوق الأمة، وجب له عليهم حقان: الطاعة، والنصرة، ما لم يوجد من جهته ما يخرج به عن الإمامة، كالنقص في بدنه، فأما الجرح في دينه، فقد تقدم الكلام عليه (¬1).