الشرط الثاني: العدالة: فيعتبر في الخليفة أن يكون عدلا.
والعدل: من كان على الإستقامة؛ باتباع الأمر والنهي؛ بفعل الواجبات، وترك المحرمات، بأن لا يفعل كبيرة، ولا يصر على صغيرة، ويتعاطى أفعال المروءة، بأن يرتكب ما يزينه، ويترك ما يشينه، وهذا الشرط معتبر في الخليفة الذي هو الإمام، فلا يصح كونه فاسقا.
وأما نائبه الذي هو السلطان اليوم، فلا يعتبر فيه ذلك.
فلو كان الخليفة يسكر، أو يزني، أو يلوط، أو يفعل كبيرة، لم تصح له ولاية، وينعزل بذلك، وقد بلغني أن من نصب في ذلك يفعل بعض هذه المحرمات.
الشرط الثالث: العلم: ذكره غير واحد، ونص عليه القاضي من أئمة أصحابنا. PageV01P060
الشرط الرابع: أن يكون من أفضل قريش في العلم والدين، ذكره غير واحد من أئمة أصحابنا، ونص عليه القاضي في "الأحكام السلطانية" (¬1)، وقد قدمنا الكلام على اجتهاد أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في
الأفضل في العلم والدين، وقد روي عن الإمام أحمد روايات متعددة تدل
على اعتبار ذلك.
قال في رواية حنبل: وأي بلاء كان أكبر من الذي كان أحدث عدو الله وعدو الإسلام من إماتة السنة -يعني: الذي كان قبل المتوكل-، فأحيا المتوكل السنة.
وقد أشار القاضي من كلامه هذا: إلى اعتبار العدالة فيه؛ حيث تكلم فيه أحمد بعدو الله، وعدو الإسلام، ولو كان إماما عنده صحيح الإمامة، لما استحل أن يقول له ذلك.
قال القاضي: وفيما رأيته على ظهر جزء من كتب أخي -رحمه الله-: ثنا أبو الفتح بن منيع، قال: سمعت جدي يقول: كان أحمد إذا ذكر المأمون، قال: كان لا مأمون (¬2).
يشير القاضي إلى أن ذلك من أحمد يدل على عدم صحة إمامته.
وقال في رواية الأثرم في امرأة لا ولي لها: السلطان، فقيل له: تقول: السلطان، ونحن على ما ترى اليوم، وذلك في وقت يمتحن فيه القضاة؟! فقال: أنا لم أقل على ما ترى اليوم، إنما قلت: السلطان. PageV01P061
قال القاضي: وهذا الكلام يقتضي الذم لهم، والطعن عليهم، ولا يكون هذا إلا وقد قدح ذلك في ولايتهم (¬1).
لكن قد ورد عن الإمام أحمد ألفاظ تقتضي إسقاط اعتبار العدالة والعلم والفضل، قال في -رواية عبدوس بن مالك العطار-: ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما عليه، برا كان أو فاجرا، فهو أمير المؤمنين.
وهذا يدل على عدم اعتبار العدالة والفضل.
وقال أيضا في رواية المروذي: فإن كان أميرا يعرف بشرب المسكر، والغلول، يغزو معه، إنما ذاك له في نفسه (¬2).
قال القاضي: وقد روي عن الإمام أحمد في "كتاب المحنة": أنه كان يدعو المعتصم بأمير المؤمنين في غير موضع، وقد دعاه إلى خلق القرآن، وضربه عليه، وكذلك كان يدعو المتوكل بأمير المؤمنين، ولم يكن من أهل العلم، ولا كان أفضل أهل وقته وزمانه (¬3).
وقال القاضي: يمكن أن يحمل ما قاله -في رواية عبدوس وغيره- على أنه: إذا كان هناك عارض يمنع من نصب العدل العالم الفاضل، وهو أن تكون النفوس قد سكنت إليهم، وكلمتهم عليهم أجمع، وفي PageV01P062 # العدول عنهم يكثر الهرج، وإذا وجدت هذه الصفات حالة العقد، لم عدمت بعد العقد، نظرت: فإن كان جرحا في عدالته، وهو الفسق، فإنه لا يمنع من استدامة الإمامة، سواء كان متعلقا بأفعال الجوارح، وهو ارتكاب المحظورات، وإقدامه على المنكرات اتباعا لشهوته، أو كان متعلقا بالاعتقاد، وهو المتأول بشبهة تعترض يذهب فيها إلى خلاف الحق.