مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
وهو حسبي
الحمد لله الذي رفع قدر من شاء من عباده السعداء، وأبعد من أراد، فجعله من الأشقياء البعداء، أحمده وله الحمد كله في الإنتهاء والابتداء، وأشكره، وله الشكر كله على طول المدى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبد حقق التوحيد واهتدى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام الهدى، ومزيل الردى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، كلما ذهب أمر وعدى، وسلم تسليما.
أما بعد:
فإن الله -عز وجل- وله الحمد - فضل الآدمي على سائر المخلوقات، وجعله القصد، وغيره من المخلوقات غالبه لأجله؛ كما في بعض الآثار: ابن آدم! خلقتك من أجلي، وخلقت المخلوقات كلها من أجلك، فلا تشغل نفسك بما خلقته من أجلك (¬1). PageV01P019
وركب فيه لذلك العقل؛ ليعرف به فضيلته على غيره، فكلما زاد عقله، زاد به فضله، وكلما نقص، نقصت فضيلته بنقصه، وشابه غيره من البهائم.
وتعرف فضيلته وتمام عقله فيما أقامه ربه فيه من طاعته، وما منحه من علمه، وما أعطاه مما يرفع به قدره، فجعل الله -عز وجل- أرفع الخلق وأعلاهم، وأتمهم عقلا وفضلا ونبلا في الدارين: الأنبياء، وجعلهم أصح الناس مزاجا، وأعظمهم أخلاقا، كما قال -عز وجل- لنبيه: {وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم: 4].
ثم جعل أفضل الخلق وأعلاهم في الدارين: العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وجعل فيهم صفة من صفاته؛ فإن العلم من صفات الله، فمن منحه الله شيئا، فقد من عليه بنعمة عظيمة، وعلى قدر ما يمنحه من ذلك، يكون فيه من الفضيلة.
ومما منح الله به -عز وجل- بعض عباده: الملك والولاية على عباده؟ فإنه فضيلة عظيمة لمن عرف قدرها، وأعطاها حقها، وتواضع مع عباده، ولم يرد بها علوا في الأرض ولا فسادا؛ كما قال -عز وجل-: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} [القصص: 83].
وقد أحببت أن أضمع كتابا يحتوي على الخلافة والإمامة والولايات، وما فيها من خير وشر، وكيف انعقادها وشروطها، والله أسأل أن ينفعني PageV01P020 # به وجميع المسلمين، إنه سميع قريب، وسميته:
"كتاب إيضاح طرق السلامة في بيان أحكام الولاية والإمامة"
وجعلته عشرة أبواب:
الباب الأول: في مسميات الحكام والولاة، وما يتعلق بذلك.
الباب الثاني: في شروط الولاة والحكام، ومن يصلح للولاية.
الباب الثالث: في فضل الولاية وثوابها لمن عدل وبر.
الباب الرابع: في الخوف منها، وإثم الجور والظلم.
الباب الخامس: فيما يلزم كل واحد منهم فعله، وما لا يلزمه، وما يتعلق به.
الباب السادس: فيما لكل واحد من الحق والطاعة، ومن يطاع، ومن لا تجب طاعته.
الباب السابع: في أئمة جور أخبر عنهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما ذكر من ظهور الجور.
الباب الثامن: في حكم أموال المسلمين، وبلادهم، وما يجوز لكل من الحكام أكله وأخذه من ذلك، وما لا يجوز.
الباب التاسع: فيمن تمنى ذلك، ومن كرهه وفر منه.
الباب العاشر: في ولاة وملوك، وتواريخهم وولاياتهم. PageV01P021