الخامس
قوله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون
الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} والمراد بالركوع هاهنا التواضع والخضوع، من قول الشاعر:
لا تهن الفقير علك أن تر ... كع يوما والدهر قد رفعه
وبذلك فسره صاحب الكشاف، فهو قوله تعالى: {خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون}
وفي هذه الآية دليل واضح على إمامة الثلاثة: الصديق وصاحبيه. إذ
شروط الولاية في الآية حاصلة وصالحة لهم؛
لوجود الجمع وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والخضوع. أما الولاية والجمع وإقامة الصلاة فظاهر عليهم. وأما إيتاء الزكاة فلا شك أنهم كانوا أصحاب أموال. وأما الخضوع، هو عدم التكبر، فقد ثبت أن الصديق رضي الله عنه كان أرأف الصحابة وألينهم جانبا. وعمر كان يلبس المرقع، وكان عليه رداء فيه إحدى وعشرون رقعة، واحدة منها قطعة جراب. وكان يحمل الطعام على عاتقه للضعفاء. وكان يعمر القناطر ويحمي القوافل بنفسه وأمثال ذلك. هذا وهو ملك الدنيا ومالك ملوكها بالقهر، وقد طبقت راياته وعساكره الأقطار، وترجف من سطوته ملوك الأرض من غير منازع في إمامته. وعثمان رضي الله عنه كان على مثل ذلك بالسطوة والحكم، وصبر
لقتله ولم يدم من المسلمين مثل محجمة من دم عند حصاره، وقال: لا أكون أول من خلف محمدا في أمته بالسيف. وهذا دليل متضح على صحة إمامتهم.
ادعت الرافضة [لعنهم الله] أن هذه الآية في علي رضي الله عنه خاصة دون غيره. واحتجوا بها أنه رضي الله عنه تصدق بخاتمه على سائل وهو راكع.
ويمتنع ذلك من وجوه:
الأول أن الذين {الذين آمنوا} لفظ جمع، ويمتنع حمل الجمع على الواحد في لغة العرب. قالوا: للتعظيم. قلنا: التعظيم هاهنا مدفوع لعلي رضي الله عنه، إذ الله ورسوله ذكرا في الآية من غير مقارنة تعظيم، فكيف يذكر التعظيم له دونهما.
الثاني أن الرافضة يدعون أن عليا رضي الله عنه طلق الدنيا وأنه لا مال له، كان يلبس القصير ويأكل الشعير. والآية فيها ذكر الزكاة، والزكاة لا تكون إلا ممن له مال. فتنافيا.
الثالث أن الله مدح الخاشع في الصلاة. وكون إنسان يشغل جوارحه في الصلاة بنزع خاتم وإشارة إلى سائل وقذفه إليه ويشغل قلبه بنية الزكاة ليس من الخشوع. وحاشا أمير المؤمنين من مثل ذلك، إذ هو بحر علم لا يدرك قعره.
الرابع أن الزكاة تطلق على صدقة الفرض ولا تكون إلا من الأنفع للمستحق. وأي نفع في قطعة فضة يجوز عليها احتمال الجهالة في القدر والغش في الجنس عن مال مضروب معلوم خالص. وهل نسبة مثل هذا إلى عالم زمانه إلا سفه من الرافضة.
الخامس أن الله تعالى وصف الحزب الذي يتولاه هذا الإمام بأن يكون
غالبا بقوله تعالى: {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} ولم ير غالبا إلا أهل السنة الذين هم أتباع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. والرافضة الذين يزعمون أنهم أتباع علي منذ ظهروا إلى الآن، بل إلى آخر الزمان، لم يزالوا مغلوبين تحت الحكم والقهر. وهذه أدلة راجحة تمنع اختصاص علي بالإمامة دون أصحابه. والله أعلم.