(إمامة أبي بكر)
أما إمامة أبي بكر رضي الله عنه فالدليل عليها من وجوه.
الأول
قوله تعالى: {وسيجنبها الأتقى} أجمع المفسرون أنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه. وإذا ثبت أنه الأتقى ثبت أنه الأكرم عند الله تعالى لقوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}. وحينئذ فيثبت فيه استحقاق التقديم على كل أحد غيره، لكونه دونه بالتقوى والكرامة عند الله تعالى، كما هو مفهوم الآية.
الثاني
: قوله تعالى: {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما}
وهذا الداعي -هو الموعود على طاعته حسن الثواب وعلى مخالفته أليم العقاب- ليس هو النبي - صلى الله عليه وسلم - لكونه عليه الصلاة والسلام مأمورا بنهي المخلفين من الأعراب عن اتباعه بقوله تعالى: {قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل} فامتنع أن يكون هو الداعي. وليس هو عليا رضي الله عنه لأنه لم يقاتل في أيام خلافته الكفار وإنما كان حربه مع المسلمين. فتعين أن يكون الداعي هو الصديق رضي الله عنه، لأنه دعاهم إلى قتال بني حنيفة أهل الردة في اليمامة، وهو أولو بأس شديد، كانوا ثمانين ألفا. ولقوة بأسهم
أشار إليه علي رضي الله عنه بالقعود عنهم فقال: هؤلاء أصحاب شوكة، وهذا أول عسكر يخرج لنا بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -، نخاف أن ينكسر فلا يقوم لنا بعده قائم. فما وهن الصديق رضي الله عنه ولا ضعف. ثم جهز العسكر وخرج معه مرحلة حتى تسمع الناس بخروجه، وأمر عليهم سيف الله خالد بن الوليد رضي الله عنه، فظفر بهم وقتلهم وقتل أميرهم مسيلمة الكذاب
ورجع بالغنائم والسبي. ومن سبيهم تسرى علي رضي الله عنه الحنفية أم ولده محمد، واستقر الإسلام في اليمامة. وكانت تلك أسا لبناء الإسلام بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -.