وأبو إسحاق فقط بالنسبة لحديث القطان عن زهير عنه. وأبو الزبير عن جابر بالنسبة لحديث الليث خاصة عنه، والثوري بالنسبة لحديث القطان عنه، بل قال البخاري: لا يعرف لسفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور ولا عن كثير من مشايخه تدليس، ما أقل تدليسه! .
وما أشار إليه شيخنا من إطلاق تخريج أصحاب الصحيح لطائفة منهم، حيث جعل منهم قسما احتمل الأئمة تدليسه، وخرجوا له في الصحيح لإمامته، وقلة تدليسه في جنب ما روى كالثوري، يتنزل على هذا، لا سيما وقد جعل من هذا القسم من كان لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة.
وكلام الحاكم يساعده، فإنه قال: " ومنهم جماعة من المحدثين المتقدمين والمتأخرين مخرج حديثهم في الصحيح، إلا أن المتبحر في هذا العلم يميز بين
ما سمعوه وبين ما دلسوه ".
[قلت: وقد أخرج البخاري في مناقب سعد بن معاذ للأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر بالعنعنة، ثم أردفه برواية الأعمش له، فقال: حدثنا أبو صالح عن جابر ; لتتقوى بها الرواية الأولى] .
وكذا يستثنى من الخلاف من أكثر التدليس عن الضعفاء والمجاهيل ; كبقية بن الوليد ; لاتفاقهم - كما قاله شيخنا - على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا بالسماع فيه، أو من ضعف بأمر آخر سوى التدليس، فإن هؤلاء حديثهم مردود جزما، ولو صرحوا بالسماع إلا إن توبعوا، ولو كان الضعف يسيرا كابن لهيعة.
[حكم التدليس]
[حكم التدليس] : وأما حكمه: فقال يعقوب بن شيبة: جماعة من المحدثين لا يرون بالتدليس بأسا، يعني وهم الفاعلون له أو معظمهم، (وذمه) - أي: أصل التدليس لا خصوص هذا القسم - (شعبة) بن الحجاج (ذو الرسوخ) في الحفظ والإتقان ; بحيث لقب أمير المؤمنين في الحديث، فروى الشافعي عنه أنه قال: التدليس أخو الكذب، وقال غندر عنه: إنه أشد من الزنا ; ولأن أسقط من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أدلس.
وقال أبو الوليد الطيالسي عنه: لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أقول: زعم فلان، ولم أسمع ذلك الحديث منه.
ولم ينفرد شعبة بذمه، بل شاركه ابن المبارك في الجملة الأخيرة، وزاد: أن الله لا يقبل التدليس.
وممن أطلق على فاعله الكذب أبو أسامة، وكذا قرنه به بعضهم، وقرنه آخر بقذف المحصنات، وقال سليمان بن داود المنقري: التدليس والغش والغرور والخداع والكذب تحشر يوم تبلى السرائر في نفاذ واحد بالمعجمة، أي: طريق.
وقال عبد الوارث بن سعيد: إنه ذل، يعني لسؤاله أسمع أم لا؟
وقال ابن معين: " إني لأزين الحديث بالكلمة، فأعرف مذلة ذلك في وجهي فأدعه ".
وقال حماد بن زيد: " هو متشبع بما لم يعط "، ونحوه قول أبي عاصم النبيل: أقل حالاته عندي أنه يدخل في حديث: " المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور ".
وقال وكيع: الثوب لا يحل تدليسه فكيف الحديث؟ وقال بعضهم: أدنى ما فيه التزين. وقال يعقوب بن شيبة: وكرهه جماعة من المحدثين، ونحن
نكرهه، زاد غيره وتشتد الكراهة إذا كان المتروك ضعيفا فهو حرام، ولكن اختص شعبة منه مع تقدمه بالمزيد كما ترى، على أن شعبة قد عيب بقوله: لأن أزني أحب إلي من أن أحدث عن يزيد بن أبان الرقاشي. فقال يزيد بن هارون راوي ذلك عنه: ما كان أهون عليه الزنا! .
قال الذهبي: وهو - أي: التدليس - داخل في قوله عليه السلام: «من غشنا فليس منا» ; لأنه يوهم السامعين أن حديثه متصل، وفيه انقطاع، هذا إن دلس عن ثقة، فإن كان ضعيفا فقد خان الله ورسوله، بل هو - كما قال بعض الأئمة - حرام إجماعا.