الثالث: أنه يصير شواشا (¬1) لمعتزلي، وربما وقع في بعض مهاويه ينظر كتابه، أو وقع غيره بسببه، انظر ابن أبي جمرة في حديث البيعة أول الكتاب.
فإن قالوا: الاستئذان أمر عادي، فلا يدخله الابتداع على المعول عند الأئمة المحققين، كالمآكل والمشارب والملابس ونحوها، والتسبيح عبادة جعلناها في محل العادة، فكانت أولى، لا سيما وقد ورد توقيع ذلك في التعجب والإنكار، ونحوهما، كقوله تعالى: {سبحانك هذا بهتان عظيم} (¬2) وقوله (ص): "ماذا أنزل الليلة من الفتن" (¬3) وقوله (ص): "سبحان الله أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم" (¬4) وحديث: "من نابه شيء في صلاته فليبسح" (¬5) فجعل التسبيح علما للتنبيه على السهو، قلنا: لو لم يفهم من فعلكم هذا أنه من صلب الدين، ولم يثبت في محله سنة ماضية، ولم يكن بالاشتراط والمشارطة، وعلى مفارقة ما ورد في الأحاديث لكان له وجه، والمواضع التي وقع فيها إنما هو التنبيه على معناه المضمن بها عند من تأمله، وشرح ذلك يطول، وبالله التوفيق.
... PageV01P116
35 - فصل
في ذكر شبهتهم في ذلك وفيما قبله.
وهو أن المريد المشرف على غير الحقيقة يتعين عليه إفراد الوجه بكل حال، فلا ينطق إلا بذكر مناسب لحاله، ولا ينظر إلا بفكر مناسب لأمره، ولا يتحرك إلا بحركة مناسبة لتوجهه، حتى تنصبغ حقيقته بمعاني ما فتح له، فيعود للأحكام العامة، وإنما يعمل بذلك دواء لعلة تفرقته عند آخر أمرها، وهي مرتبة لا تجوز للمبتدئ لعدم تهييئه لها، فكيف بالناسك المقتدي، لأن شأنه اشتغال عوالم جنسه، وحفظ النظام بوجهه بالتزام التقوى، ثم بالاستقامة، حتى إذا استكملنا فيه، طولب بمراقبة أنفاسه، وعند ذلك يسوغ له الاستئذان في كل شيء، لغليان قلبه، وجريان الخواطر عليه مع الأنفاس، وحركات أحواله مع التقلبالت، ليسلم من الغلط، ويبرأ من الرعونة والدعاوى، ويهتدي فيما دق كما اهتدى فيما جل، وما لم يفعل ذلك كان الغلط والضلال والضرر أقرب إليه من كل شيء، حتى إذا صار فيه ذلك كالمطبوع، نقل لتحقيق الحقيقة بإفراد الوجه وإخلاء الباطن عن الغير، وهنا يضيقون عليه أنفاسه، ويضبطون عليه حواسه، ويمنعونه المخالطة والمماسة، حتى إذا صح توجهه، ألقوا إليه ما يصلح له من الذكر المفرد، اللائق به على حسب ما يرونه من شاهد حاله، ثم إذا تمكن ذلك منه عادوا به للمبادئ في الصورة، وإنما هو لتكميل الحقيقة، فالنهاية الرجوع للبداية، وليست البداية التعلق بالنهاية، فمن طلب بداية في نهاية فاتته العناية، ومن طلب نهاية في بداية حصل على الغواية، وما هو إلا كمن يريد منفعة الإكسير (¬1)، في المعدن قبل تطهيره، فيتلفه بغير منفعة، وهذه حالة هؤلاء المساكين الذين بادؤوا المبتدئ بالتجريد، فخرجوا به إلى محل النفي والتبعيد، واغتروا في ذلك بحركات المشايخ مع المريدين الذين علمت، همتهم، إما بسلوك سابق، أو بجذب غالب، PageV01P117