[مقدمة]
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما قال الشيخ الفقيه الإمام المدرس المصنف العلامة خطيب الخلافة العلية والمفتي بالحاضرة التونسية أبو عبد الله محمد الأنصاري شهر الرصاع الحمد لله العليم الذي أحاط علمه بدقائق حقائق المعقولات، الحكيم الذي أحكم بحكمته رقائق دقائق المصنوعات، الكريم الذي علمنا تعريف الفصول وخاصة المحدودات، وألهمنا بفضله في الاستدلال لخواص الكائنات، فهو سبحانه الهادي لشرح بيان المشكلات، وخالق المعرفة في القلوب الزاهرات، نحمده سبحانه على ما من به من مننه الغاديات السابحات، ونشكره على ما سنه من نعمه وعرفنا به حقائق المخلوقات.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نصل بها إلى معارف الجنات، ونشهد أن سيدنا ومولانا محمدا عبده ورسوله الذي أتانا بالآيات البينات، وأرشدنا إلى الدلائل الواضحات، وحقق لنا حقائق العقائد ودقائق الفرعيات، وأصل لنا أصول الديانات والحقائق الشرعيات، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين اقتبسوا من أنواره والتقطوا من أزهاره، وبلغوا لمن بعدهم ما تبركوا به من نوامي البركات، وسلم تسليما سلاما ننجو به من جميع الآفات، ونصل به إلى معرفة حقيقة نفوسنا الأمارات.
أما بعد فإنه لما سبقت منة الله تعالى إلي وأظهر فضله سبحانه علي بمحبة شيخ الإسلام وعلم الأعلام الذي افتخرت به أمة النبي - عليه الصلاة والسلام - الشيخ الولي العالم الأعلم الصالح الزكي القدوة الأسوة السني السني العارف على التحقيق، الهادي إلى الطريق الدال على التدقيق، صاحب السعد والسعود واليمن والتوفيق، شيخ كثير من شيوخنا نهاية العقول في المنقول والمعقول في وقتنا وقبل وقتنا بقية الراسخين من ساداتنا آخر المتعبدين من سلفنا سيدنا ومولانا وبركتنا أبو عبد الله محمد بن عرفة - رحمه الله تعالى - ورضي عنه ورحم سلفه وأعاد علينا فضله، وصيرنا
ممن عظم قدره وعرفه، ومن علينا بما من به عليه من سعادة الدنيا والدين الذي كان عليه.
وقد أجرى الله تعالى في قلوبنا محبته وأسبغ بها علينا نعمته لما تواتر لدينا من حسن طريقه وهديه، وغزارة علمه وبلاغة فهمه، وقوة عزه لطاعة ربه، فزرع الله في قلوب المؤمنين محبته، وألقى في أفئدتها مودته، كما جرت عادته سبحانه في معاملته لخاصة الصالحين، في إلقاء مودتهم في قلوب عباده المؤمنين، وقد شاهدنا شيوخنا الآخذين عنه يقفون عند حده معظمين لقدره، مسلمين لفهمه، لا يعارضونه ولا يراجعونه إلا بأدب ووقار، وتعظيم وإكبار، وقد قيدنا عنهم ما سمعنا من كراماته وما بلغنا من محاسنه وسياداته وما قيد عنه من ابتكاراته.
ونذكر إن شاء الله جملة صالحة في أول هذا التقييد وآخره من طريقه وفضله ودينه وعلمه، ما يحمل طالب العلم على تعظيمه وبره، وشاهدنا كتبه جامعة مانعة شافية وافية المبرز من فقهاء الزمان ممن يفك رموزها ويفهم إشاراتها ويتفاخرون بذلك خلفا عن سلف وكل ضعيف العقل خبيث سريرة وكبير جهل إذا ربت به نفسه الخبيثة علا وغلا، فيتعرض بالاعتراض للعطب والبلا حفظ الله قلوبنا وملأها بمحبتنا في ساداتنا الذين فتحوا لنا الأبواب وهدانا الله بهم إلى طريق الحق والصواب، ولما كنت كثير المحبة والتعظيم لهذا السيد الكريم أكثرت من النظر في تعريفه للحقائق الفقهية وولعت في طلب تفهيم فوائده اللغوية فأذكر ذلك لكثير من المحبين من الطلبة المجتهدين وأحصنهم على النظر في دقائقه والتفقه في حقائقه لأنها معينة على تحصل الفرعيات، محصلة لحقائق الفقهيات، لأن رسومه قواعد مذهبية كليات، فحفظ الطالب لتلك القواعد إعانة على تحصل الفروع وكثرة الفوائد، ولما سمع مني مرارا بعض نبلاء الطلبة ونجل فضلاء الأحبة شرح كبير من حقائقه - رضي الله عنه -، وبسط مواضع من دقائقه عفا الله عنه، طلب مني شرحا لحدوده، مبينا لفرائده، وفاتحا لأبواب عقوده، فرأيت أن هذه من منة الله علي وهداية من الكريم ساقها الحليم إلي، بخدمتي لشيخ سنة، النبي - عليه الصلاة والسلام - الذي كانت حياته بلطفه الجميل وخصه الله به من بين الأنام فأجبت السائل لما سأل.