(إنا أنذرناكم عذابا قريبا ... (40) إذ كل آت قريب. ولأن ابتداءه من الموت. (يوم ينظر المرء ما قدمت يداه) أي: كل امرئ ينظر عمله خيرا كان أو شرا؛ لقوله: (ووجدوا ما عملوا حاضرا) وقيل: المرء هو: الكافر؛ لقوله: (إنا أنذرناكم) وضع موضع المضمر. وعن قتادة: هو المؤمن؛ لقوله: (ويقول الكافر) والأول هو الوجه؛ لقوله، (إن يوم الفصل)، ولقوله: (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا) (ويقول الكافر يا ليتني كنت
ترابا) في الدنيا لم أخلق، أو في هذا اليوم؛ لما يرى سائر الحيوانات والوحوش تصير ترابا بعد جريان القصاص بينهما.
* * *
تمت، والحمد لله على الدوام، والصلاة على خير الأنام، وآله وصحبه يوم القيام.
* * *
سورة النازعات
مكية، وهي خمس أو ست وأربعون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
(والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا (2) والسابحات سبحا (3) فالسابقات سبقا (4) فالمدبرات أمرا (5) أقسم بالملائكة الموصوفة بصفات تدل على كمال قدرته ونفاذ أمره. فالنازعات: هم ملك الموت وأعوانه الذين ينزعون أرواح الكفار من أعماق أبدانهم. والغرق: اسم الإغراق، كالسلام اسم التسليم، أو مصدر بحذف الزوائد. والناشطات: الذين ينشطون أرواح المؤمنين برفق، من نشط الدلو: أخرجها من البئر. ونشط الحبل: حله برفق. ويسبحون أي: يسرعون فيما أصروا به، فيسبقون بأرواح الكفار إلى النار، وبأرواح المؤمنين إلى الجنة، فيدبرون أمر ثوابها وعقابها، أو النجوم تنزع من المشرق إلى المغرب، وإغراقها: قطع الفلك بتمامه إلى أن تغرب بأن تنشط من برج إلى آخر. من نشط الثور: إذا خرج من بلد إلى آخر. فتسرع في السير، فيسبق بعضها بعضا، فتدبر ما نيط بها من الفوائد. أو خيول الغزاة تنزع في أعنتها إغراقا؛ لطول أعناقها؛ لأنها عراب، فيخرج من دار الإسلام إلى دار الكفر، فيسبح في جريها فيسبق بعضها بعضا، فتدبر أمر الظفر على المجاز، أو نفوس السالكين تنزع عن الشهوات رأسا، وتنشط إلى عالم الملكوت، فتسبع في بحر المعارف، فيسبق بعضها بعضا بقدر القابليات، فتدبر سائر النفوس بالإرشاد والتكميل. والمقسم عليه محذوف دل عليه ذكر القيامة بعد. أي: لتبعثن.
(يوم ترجف الراجفة (6) نصب بذلك المحذوف. الراجفة: الواقعة، وصفت بما يحدث بحدوثها من رجف الأرض والجبال مبالغة، وهي: النفخة الأولى. وإنما صح أن يكون وقتها ظرفا للبعث مع أنه لا يكون بعد الثانية؛ لاتساع الوقت على أن: (تتبعها الرادفة (7) وهي: النفخة الثانية حال منها، فلابد من الامتداد إلى وجودها. وقيل: الراجفة الأرض والجبال، والرادفة السماء والكواكب.
(قلوب يومئذ واجفة (8) شديدة الاضطراب. الوجيف والوجيب أخوان.
(أبصارها خاشعة (9) خبر قلوب؛ لأنها نكرة موصوفة، كقوله: (وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة)، أو خبر بعد خبر؛ لأن تنكير التنويع قائم مقام الوصف.
(يقولون أإنا لمردودون في الحافرة (10) يريدون الحياة الدنيا بعد الموت، والحالة التي كانوا عليها في الدنيا؛ إنكارا للمعاد، والحافرة: الطريقة التي حفرها، وأثر فيها بمشيه. والقياس محفورة، فإما على تقدير ذات حفر، أو على الإسناد مجازا نحو (عيشة راضية). وعن ابن السكيت: حافرة الشيء: أوله. واستشهد بما أنشده ابن الأعرابي:
أحافرة على ضلع وشيب ... معاذ الله من سفه وعار