(بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة (52) تنشر وتقرأ (وقالوا لن نؤمن) ... (حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه).
(كلا بل لا يخافون الآخرة (53) ولذلك يتعنتون ويعاندون، ولم يريدوا بقولهم (حتى تنزل علينا كتابا) إلا عنادا. (ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين).
(كلا ... (54) حقا. (إنه تذكرة) وإن أعرضوا. والأول ردع عن اقتراحهم الآيات، وهذا عن الإعراض. (فمن شاء ذكره (55) من الذكر بضم الذال، فعل القلب.
(وما يذكرون إلا أن يشاء الله ... (56) مشيئتهم؛ لقوله: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله)، أو ذكرهم. وقرأ نافع " تذكرون " بالخطاب على الالتفات، أو قل لهم. (هو
أهل التقوى وأهل المغفرة) حقيق بأن يتقى؛ لعلو شأنه، وجدير بالمغفرة؛ لسعة غفرانه روى الترمذي وابن ماجه والإمام أحمد عن أنس بن مالك: " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما تلاها قال: أنا أهل أن أتقى ممن اتقى، فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها، فأنا أهل أن أغفر له ".
* * *
تمت بحمد الله، والصلاة على أفضل خلق الله.
* * *
سورة القيامة
مكية، وهي تسع وثلاثون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
(لا أقسم بيوم القيامة (1) " لا " صلة، تزاد لتأكيد القسم، مثلها في (لئلا يعلم)؛ لتأكيد العلم. وقيل: هذا إنما يكون إذا وقعت في خلال الكلام كقوله: (فلا وربك)، وأما إذا وقعت في صدر الكلام كما في هذه السورة وسورة البلد فهي للنفي. والمعنى: نفى أن يقسم بيوم القيامة؛ لأن الإقسام بالشيء إعظام له؛ ليتوسل به إلى تأكيد المقسم عليه. وحاصله: أن يوم القيامة في نفسه أعظم من أن يعظم بالقسم. ويجوز أن يكون " لا " ردا لقولهم: (إنما أنت مفتر)، والمعنى: أقسم باليوم لا النفس اللوامة. وقرأ ابن كثير (لا أقسم) على أن اللام جواب القسم.
(ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) هي: المتقية التي تلوم النفوس المقصرة يوم القيامة على التقصير، أو نفس السالك التي تلوم نفسها إذا ترقت إلى مقام أعلى، فهي أبدا في اللوم،
أو نفس آدم؛ لأنها بعد الجناية داومت على اللوم. والحمل على الجنس استدلالا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " ما من نفس برة وفاجرة إلا تلوم نفسها يوم القيامة ". لا يلائم الإعظام بالقسم، وقيل: النفس المطمئنة؛ لأنها تلوم الأمارة أي: في حال الاطمئنان تلوم نفسها على ما فرط منها. وجواب القسم محذوف أي: لتبعثن، دل عليه قوله:
(أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه (3) بعد تفرقها. قيل: نزلت في عدي بن ربيعة ختن الأخنس بن شريق سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أمر الساعة فأخبره فقال: " والله لو عاينت ذلك لم أومن بك ".
(بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4) مع صغر العظام فكيف بكبارها؟، وإذا قدرنا على الألطف الأبعد عن العادة فعلى الغير أقدر. ومآله إلى عدم التفاوت بين الإعادة والبدء. وقيل: معنى تسوية بنانه جعلها كخف البعير؛ دلالة على كمال القدرة. والظاهر: أن تخصيص البنان بالذكر؛ لأنه أعجب شيء في الإنسان، وأخص به من بين الحيوانات. ثم في تصدير الكلام بالقسم بيوم البعث والمبعوث فيه على تحقق البعث على أسلوب: " وثناياك إنها
أغريض "، ثم إيثار الحسبان وهمزة الإنكار مسند إلى الجنس، والإتيان بحرف الإيجاب، وإيقاع " قادرين " حالا بعده، من المبالغات في تحقيق المطلوب وتهجين حال المعرض عن الاستعداد له ما يبهر عجائبه، وزاده رونقا وحسنا بقوله: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه (5) عطفا على " أيحسب ". ترق في الإنكار؛ لدلالته على أن ذلك الحسبان لمجرد إرادة الفجور، أو إضراب عن الإنكار عن حاله بما هو أدخل في اللوم كأنه قيل: دع الإنكار عليه، أنى يرتدع بالإنكار وهو يريد الدوام على الفجور؟. وعلى الوجهين فيه إيماء إلى أنه عالم بوقوع البعث إلا أنه يتغابى.