سورة المزمل
مكية، وهي [عشرون آية]
بسم الله الرحمن الرحيم
(يا أيها المزمل (1) أي: المتزمل وهو المتلفف في ثيابه، أدغمت التاء في الزاء. روى أبو بكر البزار عن جابر: أن مشركي مكة لما اختلفوا، شاعر أو ساحر أو كاهن أو مجنون، تزمل في ثيابه في بيته حزينا. فأتاه جبرائيل وقال: (يا أيها المزمل) آمرا له بأن ينهض إلى القيام في عبادة ربه في أشرف الأوقات، وهو الليل الخالي عن الشواغل. وفيه من لطيف العتاب الممزوج بالرأفة، لينشط ويستعد لتلقي ما يأتي من قوله: (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) وما قيل: " إنه كان متزملا في مرط لعائشة نصفه عليه، ونصف آخر على عائشة
رضي الله عنها " لا وجه له، إذ السورة من أوائل القرآن نزولا، وعائشة لم تكن موجودة فضلا عن كونها عنده. وكذا القول. بأنه أول ما أتاه جبرائيل أتى خديجة وقال: " زملوني " فبينا هو كذلك إذ ناداه جبرائيل فناداه: (يا أيها المزمل) بل كان هذا بعد فترة الوحي، " لما رأي جبرائيل قاعدا على كرسي بين السماء والأرض، فرجع إلى خديجة فنزل: (يا أيها المدثر) ".
(قم الليل إلا قليلا (2) نصفه ... (3) بدل من الليل، و (إلا قليلا) استثناء منه، أي: قم أقل من النصف على البت.
(أو انقص منه قليلا (3) أو زد عليه ... (4) أنقص النصف أو زد، على التخيير، ولما كان الأقل هو الأصل كرر، كقولك: أكرم زيدا، أو إما زيدا وإما عمرا. فإن قلت: إذا كان التخيير بين الأقل من النصف على البت، وبين أحد الأمرين النقصان على النصف والزيادة عليه، فقد خرج النصف عن الأقسام، وقراءة الكوفيين وابن كثير: (إن ربك يعلم أنك تقوم
(أدنى من ثلثي الليل ونصفه) بنصبه تدل على أنه كان يقوم تارة نصف الليل. قلت: الضمير في (منه) و (عليه) للنصف، وإذا جاز له الزيادة على النصف فقد جاز له النصف، لا أنه إذا جاز له الأقل جاز له النصف ليلزم استدراك ذكر الزيادة. أو. (نصفه) بدل من (قليلا) فالتخيير بين أمور ثلاثة: قيام النصف بتمامه، وقيام الناقص منه، وقيام الزائد عليه. وعلى هذا وصف النصف بالقلة بالنظر إلى الكل. وفيه إشارة إلى أن النصف المعمور بالعبادة وذكر الله تعالى جل الليل، والنصف الخالي عنه نزر قليل وإن ساواه كما. ويجوز أن يكون الضمير في (منه) و (عليه) للأقل من النصف كالثلث، والتخيير بينه وبين الأقل منه كالربع، والزائد عليه كالنصف. وعن الأخفش: " (نصفه) عطف على (الليل) بمقدر أي. قم الليل إلا قليلا، أو قم نصفه، أو ثلثه، أو ثلثيه ". فالتخيير بين أربعة أمور. روى مسلم عن عائشة - رضي الله عنها -: " أن قيام الليل كان فرضا بأول هذه السورة فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم، واصفرت وجوههم، فنسخه آخر السورة فصار تطوعا ". وعن ابن جبير: نسخ بعد عشر سنين. وقيل: نسخ عن الأمة
فقط. (ورتل القرآن ترتيلا) اقرأه على مهل وتؤدة لتتمكن من التأمل والتدبر في دقائقه وحكمه، فيكون قيامك في الليل الذي هو أشرف الأوقات على أكمل الأحوال. شبه القراءة المتصلة بالثغر المرتل، وهو المفلج الشبيه بالأقحوان.
(إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (5) اعتراض دل به على أن قيام الليل من التكاليف الشاقة التي ورد بها القرآن، لأن الليل محل الراحة، فإحياؤه بالعبادة مضاد للطبع، وفيه إيقاظ له على التشمر لتحمله، وتوطن النفس على المكابدة في تبليغه وتحميله. روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها: " رأيته في اليوم الشديد البرد ينزل عليه الوحي، وإن جبينه ليتصفد عرقا ". وقيل: ثقيل في الميزان، أو على الكفار، أو على المتأمل؛ لافتقاره إلى إتعاب القريحة في استنباط معانيه، أو ثقيل تلاوته على الوجه المنزل؛ ولذلك خفف عن هذه الأمة