سورة الجن
مكية، ثمان وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ... (1) النفر ما بين الثلاثة إلى العشرة.
والجن: أحد الثقلين، بعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما بعث إلى الإنس، فدعاهم إلى الله، منهم من آمن، ومنهم من كفر. وهؤلاء النفر هم الذين سمعوا القرآن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي الصبح ببطن نخلة كما تقدم في آخر الأحقاف. ولا دلالة فيه على أنه لم ير الجن. وليلة
الجن رواها ابن مسعود - رضي الله عنه -. وروى جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال " قرأت سورة الرحمن، فكانوا أحسن مردودا منكم " والقول بأنها أرواح مجردة، أو نفوس بشرية مفارقة عن أبدانها، لا يجوز تفسير كلام الله بها، ولم يذهب إليه أحد من أهل الحق، مخالف
للنصوص (فقالوا) بعدما انصرفوا إلى قومهم (إنا سمعنا قرآنا عجبا) في أسلوبه ومعناه. وصفه بالمصدر مبالغة.
(يهدي إلى الرشد ... (2) إلى الحق. (فآمنا به) بما فيه من التوحيد. (ولن نشرك بربنا أحدا) ولا دلالة فيه على أنهم كانوا مشركين، بل كانوا يهودا؛ لقولهم: (إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى).
(وأنه تعالى جد ربنا ... (3) عظمته من جد فلان: عظم، أو غناه، مستعار من الجد بمعنى البخت. والغرض وصفه بالتعالي عن الصاحبة والولد، وقوله: (ما اتخذ صاحبة ولا ولدا) بيان لذلك. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص: " أن " المسبوقة بالواو بفتح الهمزة في اثني عشر موضعا متوالية، والباقون بكسرها، ووافقهم على الفتح في: (وأنه لما قام عبد الله) ابن كثير، وأبو عمرو. واتفق الكل على فتح: (وأن المساجد لله)
والوجه في الفتح: العطف على الهاء في (فآمنا به) من غير إعادة الجار على المذهب الكوفي، أو على محل الجار والمجرور، أو الإيصال بعد الحذف، أو إضمار الجار.
(وأنه كان يقول سفيهنا ... (4) إبليس، أو مردة الجن. (على الله شططا) قولا ذا شطط، وصف بالمصدر مبالغة. والشطط: تجاوز الحد.
(وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا (5) نصب على المصدر؛ لأن الكذب نوع من القول. ولا دلالة فيه على أنهم إلى حين سماع القرآن كانوا مشركين.
(وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ... (6) كان الرجل من العرب إذا نزل بأرض نازحة يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه. (فزادوهم رهقا) فزاد الإنس الجن تكبرا وعتوا باستعاذتهم بهم، أو بالعكس؛ لزيادة إغوائهم الإنس بالاستعاذة. والرهق: غشيان المحارم. وإطلاق الرجل على ذكر الجن؛ للمشاكلة.
(وأنهم ظنوا كما ظننتم ... (7) القائل: الجن بعضهم لبعض. والضمير في " أنهم " للإنس، والعكس لا معنى له؛ لأن السياق في حكاية كلام الجن. وقيل: الآية والتي قبلها من كلام الله جار مجرى الاعتراض، يؤكد ما حدث منهم من تماديهم في الكفر. وقراءة الفتح يؤيد الأول. (أن لن يبعث الله أحدا) ساد مسد مفعولي (ظنوا).
(وأنا لمسنا السماء ... (8) اللمس: المس مجاز عن الطلب؛ لأن اللامس طالب متعرف. والمعنى: طلبنا خبر السماء على ما كنا نفعله قديما. (فوجدناها ملئت حرسا)
حراسا اسم جمع، كخدم في خدام. (شديدا) أقوياء، أفرده باعتبار اللفظ (وشهبا) جمع شهاب، وهو الشعلة من النار.