سورة (اقرأ)
مكية، وهي تسع عشرة آية
بسم الله الرحمن الرحيم
اقرأ باسم ربك ... (1) الجار في محل النصب على الحال أي: اقرأ حال كونك مفتتحا قراءتك باسم الله. (الذي خلق * خلق الإنسان ... (2) أي: خلق كل شيء، ثم خص الإنسان، لأنه أشرف البرية والمقصود بالإنزال، أو المراد: خلق الإنسان: أوثر فيه الإبهام والتفسير. وفيه إشارة إلى أنه مخلوق للقراءة والدراية (من علق) جمع باعتبار الأفراد.
(اقرأ ... (3) تكرير للأول، وهو محزة، لأنه أول أمر ورد بالقراءة، ولإنكاره القراءة بقوله: " ما أنا بقارئ " وقيل: الأول لنفسه، والثاني للتبليغ، أو الأول خارج الصلاة، والثاني فيها. (وربك الأكرم) على الإطلاق، إذ كرم غيره تكلف في جزئي لغرض (الذي علم بالقلم (4) دليل على أكرميته؛ لأن كل عطية دون العلم والمعرفة كنقطة من المحيط. (وقل رب زدني علما). ورمز في ضمن ذلك إلى فضل الكتابة؛ لأنها
آلة التعليم، وضابطة الحكم، وفى المثل: " العلم صيد والكتابة قيد ". (علم الإنسان ما لم يعلم (5) ما لا يمكنه علمه إلا بالتعليم. (كلا ... (6) ردع للإنسان الذي قابل هذه النعم بالكفر والطغيان. (إن الإنسان ليطغى) ليتجاوز عن حده. (أن رآه استغنى (7) لأن رأي نفسه غنيا أي: علم؛ ولذلك جاز أن يكون الفاعل والمفعول ضميرين لشيء واحد، وذلك من بعض خصائص فعل القلب.
(إن إلى ربك الرجعى (8) خطاب لذلك الإنسان الطاغي التفاتا؛ لكونه أبلغ تحذيرا.
و (الرجعى) مصدر كالبشرى.
(أرأيت الذي ينهى (9) عبدا إذا صلى (10) روى الترمذي والنسائي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، أن أبا جهل قال: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم. قال: والذي يحلف به، لئن رأيته لأطأن على عنقه. فمر به وهو يصلي عند المقام، فتوجه إليه، والمشركون ينظرون إليه. فما رأوه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويبقي بيدية. فقيل له: ما بدا لك؟ فقال: رأيت بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا ".
(أرأيت إن كان على الهدى (11) أو أمر بالتقوى (12) " أرأيت " تكرير للأول، والشرط مفعول ثان حذف منه الجواب؛ لدلالة قوله: (ألم يعلم) عليه، وحذف المفعول الأول؛ لظهوره.
(أرأيت إن كذب وتولى (13) مقابل للأول لتقابل الشرطين والمعنى: أخبرني يا من له أدنى تمييز عن حال من ينهى عبدا يصلي، إن كان ذلك الناهي على طريق الرشاد، " أو أمر بالتقوى " في أمره بعبادة الأوثان أخبرني إن كان مكذبا معرضا.
(ألم يعلم بأن الله يرى (14) ويشاهد. وسوق الكلام على طريقة المنصف والتهكم؛ لأن الناهي عن الصلاة ليس على الهدى قطعا، وكذا كونه مكذبا مجزوم به.
(كلا ... (15) ردع للناهي. (لئن لم ينته لنسفعا بالناصية) لنأخذن بناصيته ولنجرنه إلى النار. والسفع: القبض على الشيء وجره بعنف. قال عمرو بن معدي كرب:
قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ... ما بين ملجم مهره أو سافع
(ناصية كاذبة خاطئة (16) بدل من الأول، وحسنه الوصف، وكان أوفى بالمقصود؛
لدلالته على عدة السفع. وإسناد الكذب والخطأ إلى الناصية مجاز حكمي، وتخصيصها؛ لأنها أشرف الأعضاء.
(فليدع ناديه (17) عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن أبا جهل لما لم يقدر أن يقرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توعده بالكلام، فأغلظ له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: تهددني يا محمد وأنا أكثر أهل الوادي ناديا. أراد عشيرته فسماهم باسم مجلسهم ومجتمعهم.