بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي نزل أحسن الحديث وفضله وبين أفضل السنن وفصله وبعث في الأميين رسولا منهم يتلو آياته ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإظهار حججه ومعجزاته صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه نجوم الهداية في مشارق التحقيق وبدور الدراية في مطالع التوفيق ما فرغ مرجوم بنجم شهاب ورفع مكسور صحاح في كل حساب
وبعد:
فإن من أعظم العلوم على الإطلاق وأعلاها بالاستحقاق علم الحديث الباحث عن أقوال سيد المرسلين وأفعاله الكاشف عن سيرته وأحواله الحاوي على آثار أئمة الهدى وسماتهم المشتمل على مذاهب أرباب التقى وصفاتهم إذ به تعرف حقائق التنزيل وأنواره وبه تكشف دقائق التأويل وأسراره. وإن الأئمة الكرام البررة قد صنفوا فيه كتبا معتبرة لكن لما ظهر تقاصر اللهم عن فحص ما دونوا وعن الإطلاع على ما بينوا وصار قصارى أمر الناس في هذه الأيام وغاية الاشتغال بين الأنام أن يحوموا حول المختصرات ويقتصروا على ظواهر العبارات ألفت هذا المختصر في علم الأثر منبع الدرر المتضمن لما يحتاج إليه على وجه معتبر المشتل على مقدمة فيها تصفية للفكر وعلى بابين وخاتمة بها تدقيق للنظر
راجيا من الله به الزلفى يوم الحساب مبتغيا بذلك جميل الذكر وجزيل الثواب إنه هو الرؤوف وإليه المآب وإنه هو الكريم الوهاب
أما المقدمة
وهي ما يتوقف عليه الشروع في العلم ففيها ثلاثة أمور
الأول
في تعريف علم الحديث وما يتعلق به فالحديث في اللغة هو الخبر يقال على القليل والكثير والمراد من الخبر ههنا هو اللفظ سواء كان مركبا أو غيره فعلم من هذا فساد قول من قال المراد منه ههنا كلام يحتمل الصدق والكذب والحديث نقيض القديم أيضا يقال أخذني ما قدم وما حدث وهذا أعم من الأول لكن المناسب لما نحن بصدده هو الأول فظهر من هذا أن الأعم يجوز أن يكون هو الأصل فيكون منقولا إلى الأخص نقل الدابة إلى ذات القوائم الأربع لتحقق معنى الحدوث فيه فإن معناه هو كون شيء لم يكن
والحديث في الاصطلاح هو خبر نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا أو سكوتا منه عند أمر يعاينه
وأما علم الحديث فهو علم يقتدر به على معرفة أحوال أقوال الرسول وأفعاله على وجه مخصوص كالاتصال والإرسال ونحوهما ويطلق أيضا على معلومات وقواعد مخصوصة كما تقول فلان يعلم علم الحديث تريد به معلوماته وقواعده وتطلق أيضا على التصديق بقواعده
ثم إن هذا الفن حسن مقبول وإنه واحب علمه كسائر العلوم أما الأول فلاتفاق على حسنه وقوله وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله
حسن على أنه يستفاد منه أمر حسن وكل ما هو كذلك فهو حسن وأما الثاني فلأن ضبط الشريعة وإتقانها لا يتم إلا به هذا ثم إنه من أشرف العلوم وأفضلها لأن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من جملة أساس علوم الإسلام والأحكام
روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم إني خلفت فيكم شيئين لن تضلوا أبدا ما أخذتم بهما وعملتم بما فيهما كتاب الله وسنتي
الأمر الثاني
في شأن الحاجة إليه وذلك لأن من الأحكام مالا يتم بيانه إلا بالحديث ولا يتم الوقوف عليه إلا بهذا الفن الشريف أو لأن للحديث أصولا وفروعا وأنواعا وأقساما ليس كل واحد منها معلوما بالضرورة ولا مميزا بعضها عن بعض كذلك وليس العقل بنفسه بكاف في ذلك ولهذا يعرض له التوقف والغلط كثيرا فاحتيج في صون الذهن عن وقوع الغلط فيه وفي تمييز شرط رعايته وذلك الأصل هو هذا الفن