ما وقع من الحوادث سنة 323
السنة الثالثة من ولاية أحمد بن كيغلغ الثانية على مصر، وهى سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة- فيها تمكن الراضى بالله من الخلافة، وقلد ابنيه المشرق والمغرب وهما أبو جعفر وأبو الفضل، واستكتب لهما أبا الحسين على بن محمد بن مقلة. وفيها بلغ الوزير أبا [الحسين] على بن مقلة أن ابن شنبود المقرئ- وشنبود بشين معجمة ونون مشددة وباء مضمومة ودال- بغير حروفا من القرآن ويقرأ بخلاف ما أنزل؛ فأحضره وأحضر عمر بن أبى عمر «2» محمد بن يوسف القاضى وأبا بكر «3» بن مجاهد وجماعة من القراء، ونوظر فأغلظ للوزير في الخطاب وللقاضى ولابن مجاهد ونسبهم الى الجهل وأنهم ما سافروا في طلب العلم كما سافر؛ فأمر الوزير بضربه؛ فنصب بين يديه
وضرب سبع درر وهو يدعو على الوزير بأن تقطع يده ويشتت شمله. ثم وقف على الحروف التى قيل إنه كان يقرأ بها، من ذلك:" فامضوا الى ذكر الله في الجمعة".
" وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا"." وتكون الجبال كالصوف المنفوش"." تبت يدا أبى لهب وقد تب"." فلما خر تيقنت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين". ثم استتيب غصبا ونفى الى البصرة «1» . وكان إماما في القراءة. وفيها قبض الخليفة الراضى على محمد بن ياقوت وأخيه المظفر وأبى إسحاق «2» القراريطى، وأخذ خط القراريطى بخمسمائة ألف دينار.
وعظم شأن الوزير ابن مقلة واستقل بتدبير الدولة. وفيها أخرج المنصور اسماعيل العبيدى يعقوب بن إسحاق في أسطول من المهدية عدته ثلاثون [مركبا] حربيا الى ناحية فرنجة، ففتح مدينة جنوة، ومروا بجزيرة سردانية فأوقعوا بأهلها وسبوا وأحرقوا عدة مراكب وقتلوا رجالها، ثم عادوا بالغنائم الى المهدية. وفيها في جمادى الأولى هبت ريح عظيمة ببغداد واسودت الدنيا وأظلمت من العصر الى المغرب برعد وبرق.
وفيها في ذى القعدة انقضت النجوم سائر الليل انقضاضا عظيما ما رئى مثله. وفيها غلا السعر ببغداد حتى بيع كر القمح بمائة وعشرين دينارا والشعير بتسعين دينارا، وأقام الناس أياما لا يجدون القمح فأكلوا خبز الذرة والدخن والعدس. وفيها توفى إبراهيم بن حماد بن إسحاق، الشيخ أبو إسحاق الأزدى المحدث الصوفى، سمع خلقا كثيرا وكان زاهدا عابدا. وفيها توفى أبو عبد الله محمد بن «3» زيد الواسطى المتكلم.
وفيها توفى إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلب بن
أبى صفرة، أبو عبد الله الأزدى العتكى الواسطى النحوى، ويعرف بنفطويه، ولد بواسط سنة أربعين ومائتين، وقيل: سنة خمسين ومائتين، وكان إمام عصره فى النحو والأدب وغيرهما. ومن شعره قوله:
أحب من الإخوان كل مواتى ... وكل غضيض الطرف عن عثراتى
يطاوعنى في كل أمر أريده ... ويحفظنى حيا وبعد وفاتى
وهجاه أبو عبد الله محمد بن زيد الواسطى المتكلم فقال:
من سره ألا يرى فاسقا ... فليجتهد ألا يرى نفطويه
أحرقه الله بنصف اسمه ... وصير الباقى صراخا عليه
وفيها توفى أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك أبو الحسن النديم الشاعر المشهور البرمكى، ويعرف بجحظة، ولد في شعبان سنة أربع وعشرين ومائتين، كان فاضلا صاحب فنون وأخبار ونوادر ومنادمة، وهو من ذرية البرامكة.
وجحظة (بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الظاء «1» المعجمة وبعدها هاء) هو لقب غلب عليه لقبه به عبد الله بن المعتز؛ وكان كثير الأدب عارفا بالنحو واللغة، وأما صنعة الغناء فلم يلحقه [فيها] أحد في زمانه. ومن شعره: