وإن لم يكن له حقيقة شرعية، أو كان ولم يمكن الحمل عليها، حمل على الحقيقة العرفية الموجودة في عهده - (عليه الصلاة والسلام) - وهو المعني بقوله: (ثم العرفي) لأنه المتبادر إلى الفهم.
ولأن الشارع يعتبر العرف في كثير من مسائل: الأيمان والطلاق، وإن لم يكن له منطوق عرفي. PageV03P091
فإن لم يكن هناك قرينة صارفة عن المعني اللغوي، حمل على اللغوي، وهو معنى قوله: "ثم اللغوي" لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة.
وهذا لا ينافي قول الفقهاء: أن ما ليس له ضابط في الشرع ولا في اللغة، فإنه يرجع فيه إلى العرف، فإنه: وإن اقتضى تأخر العرف عن اللغة لكن مرادهم العرف في غير زمنه - صلى الله عليه وسلم -.
ومراد الأصوليين العرف في زمنه - صلى الله عليه وسلم - كذا جمع به بعضهم.
وقال السبكي: مراد الأصوليين: إذا تعارض معناه في العرف ومعناه في اللغة قدمنا العرف.
ومراد الفقهاء: إذا لم يعرف حده في اللغة فإنه يرجع فيه إلى العرف.
ولهذا قالوا: كل ما ليس له حد في اللغة، ولم يقولوا: PageV03P092
ليس له معنى.
قال العراقي: وعبارة الرافعي ربما تضاد هذا الجمع.
ويجمع بينهما: بأن كلام الفقهاء في الألفاظ الصادرة من غير الشارع، وكلام الأصوليين في ألفاظ الشارع.
وإن كانت قرينة حمل على المدلول المجازي.
وإليه أشار بقوله: "ثم المجازي" لكون اللفظ دالا، وتعذر حمله على الحقيقة، فلو لم يحمل على المجاز خرج اللفظ الدال عن أن يكون دالا وهو غير جائز.
ويكون الترتيب في مجازات هذه الحقائق كالترتيب المذكور في PageV03P093 # الحقائق.
أو بمقهومه، أي: وإن دل الخطاب على الحكم بمفهومه، وهو المسمى بالدلالة المعنوية، والدلالة الالتزامية.
وهو أي: المفهوم (إما أن) يكون لازما عن لفظ مفرد، يوقف مدلول اللفظ عليه عقلا، أو يوقف عليه شرعا. PageV03P094
فالذي يتوقف عليه عقلا، مثل قولك: ارم، فإنه يستلزم الأمر بتحصيل القوس، والمرمى؛ لأن العقل يحيل الرمي بدونهما.
والذي يتوقف عليه شرعا، مثل قولك: أعتق عبدك عني.
فإنه يستلزم سؤال تمليكه، حتى إذا اعتقه تبينا دخوله في ملكه، لأن العتق شرعا، لا يكون إلا في مملوك، والمستلزم للملك هو: أعتق فقط، بدليل ما لو قال: أعتق غانما وهو ملك لغير المخاطب، يفهم منه إيجاب تحصيل تملكه.
وهذا القسم وهو اللازم عن مفرد: يسمى اقتضاء (أي: الخطاب PageV03P095 # يقتضيه.
وإن لم يتوقف مدلول اللفظ على المفهوم منه يسمى إيماء) وسيجيء.
أو يلزم المفهوم عن مركب: وهو إما موافق للمنطوق في الحكم، أي: في الجواز، والحرمة، والإيجاب، والسلب، وهو يسمي فحوى الخطاب، أي: معناه وتنبيه الخطاب. PageV03P096
ومفهوم الموافقة: كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب.
فتحريم الضرب، استفدناه من التركيب؛ لأن مجرد التأفيف لا يدل على تحريم الضرب ولا على إباحته، بخلاف مجرد الرمي، فإنه يتوقف على القوس.
وكدلالة جواز المباشرة إلى الصبح في قوله تعالى: } أحل لكم ليلة الصيام الرفث {إلى قوله تعالى: } حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر {. PageV03P097
على جواز الصوم جنبا، إذ لو لم يجز، لوجب أن يحرم الوطء في آخر جزء من الليل بقدر ما يصح فيه الغسل، وهو مخالف لمنطوق الآية، أعني جواز المباشرة إلى طلوع الفجر، لكون حتى لانتهاء الغاية.