المسألة الأولى: في إثبات المشترك
وإنما ذكر حد الترادف مع تقدمه في التقسيم توطئه للفرق، بينه وبين التأكيد، والتابع، وفيه مسائل:
الأولى: في إثباته.
أوجبه قوم عقلا، لوجهين:
الأول: أن المعاني غير متناهية؛ إذ الأعداد أحد أنواع المعاني وهي غير متناهية، إذ ما من عدد، إلا وفوقه عدد.
والألفاظ متناهية، لتركبها من الحروف المتناهية، وهي ثمانية PageV02P290 # وعشرون حرفا، بضم بعضها إلى بعض مرات متناهية.
فإذا وزع المعاني الغير متناهية على الألفاظ المتناهية، لزم الاشتراك للمعاني الكثيرة في اللفظ الواحد، وإلا يلزم خلو بعض المعاني من الألفاظ؛ لأنه إذا وضع كل لفظ من الألفاظ، وهي غير متناهية لمعنى واحد، كان الموضوع له متناهيا، وتخلو المعاني الباقية وهي الأكثر، بل لا نسبة لها لعدم تناهيها، وهو باطل؛ لأنه يخل بغرض الوضع وهو تفهيم المعاني.
ورد: بعد تسليم المقدمتين بأن المقصود بالوضع متناه، أي لا نسلم أن الألفاظ متناهية، قولك: لأنها مركبة من الحروف المتناهية، قلنا: نعم، لكن لا نسلم أن المركب من المتناهي متناه، كأسماء العدد فإنها غير متناهية مع تركبها من اثنى عشر اسما، هي الواحد إلى العشرة والمائة والألف، والباقي يتركب منها مثل أحد عشر، أو تثنية PageV02P291 # مثل مائتان أو جمع مثل ألوف أو شبه جمع مثل ثلاثين.
ولا نسلم أن المعاني غير متناهية؛ لأن حصول ما لا نهاية له في الوجود محال، فما وجد فهو متناه.
سلمنا المقدمتين ومع ذلك لا يفيدكم؛ إذ المقصود بالوضع متناه أي: أن المعاني التي يحتاج إلى التعبير عنها متناهية، لكونها مقصودة، وذلك ما نعلقه من المعاني، لامتناع تعقل ما لا يتناهى بالنسبة إلينا، وإن كان الواضع الله تعالى؛ لأن الوضع لفائدة مخاطبة الناس بها، وهو موقوف على تصورهم.
أو المعاني على قسمين: PageV02P292
منها: ما تشتد الحاجة إلى وضعه.
ومنها: ما ليس كذلك، كأنواع الروائح، فإنه لم يوضع لكل رائحة منها اسم يخصه، فإذا تقرر خلو بعض المعاني عن الأسماء، لا يلزم محال، فإن الوضع إنما يكون لما تشتد الحاجة إليه.
ولا نسلم أن هذا المحتاج إليه غير متناه.
وقد يقال: دليلكم من أصله لو سلم يلزم منه خلو بعض المعاني بالضرورة، ولو قلنا: بالاشتراك، إذ لا نسبة بين المتناهي وغير المتناهي، فإنه لو وضع لفظ الكثير من المعاني، فإنها لا تتناهى ضرورة، والله أعلم.
الثاني:
أن الوجود يطلق على الواجب، وعلى الممكن. PageV02P293
ووجود الشيء عينه كما هو قول الأشعري (رحمه الله تعالى).
فالوجود الذي يطلق على الله تعالى، عين ذاته تعالى، والذي يطلق على الممكن عين الممكن، وليس هو أمرا واحدا فيهما فيكون مشتركا في الاشتراك اللفظي.
ورد: بأن الوجود زائد مشترك، وليس الوجود عين الذات - كما زعمت - بل هو زائد عليها، فيكون مشتركا اشتراكا معنويا فيكون مشككا.
وإن سلم أنه مشترك لفظا، فوقوعه لا يقتضي وجوبه؛ لأن وقوع الشيء لا يستلزم وجوب وقوعه، فالدليل في غير محل النزاع. PageV02P294
وأحاله أي المشترك آخرون: لأنه لا يفهم الغرض، فيكون مفسدة، يعني المشترك لا يفهم منه غرض المتكلم، الذي هو المقصود بالوضع؛ لأن الفهم لا يحصل مع الاشتراك، لخفاء القرينة، فيكون وضعه سببا للمفسدة، والواضع حكيم فيستحيل أن يضعه.