فاندفع قولهم: التعبير بالاستضاءة أولى، فالإباحة دائرة مع هذه الأوصاف وجودا وعدما، فكانت علة، لأن الدوران يفيد العلية، وهي موجودة في مسألتنا فكانت مباحة.
وقوله: «عن أمارة المفسدة» ولم يقل: عن المفسدة لأن العبرة في PageV02P113 # القبح إنما هو بالمفسدة المستندة إلى الأمارة، فأما المفسدة الخالية عن الأمارة فلا اعتبار بها، ألا تراهم يلومون من يجلس تحت حائط مائل وإن سلم دون السليمة وإن وقعت عليه.
وأيضا المآكل اللذيذة خلقت لغرضنا لامتناع العبث أي لو لم تخلق لغرض كان عبثا خاليا عن الحكمة وأنه نقص وهو على الله محال.
وذلك الغرض لا جائز أن يرجع إلى الله تعالى لتعاليه واستغنائه عنه، فثبت أنها مخلوقة لغرضنا.
وليس ذلك الغرض للإضرار اتفاقا فهو للنفع.
وهو إما التلذذ، أو الاغتذاء، أو الاجتناب مع الميل إليها، أو الاستدلال بها، وتشهى طعومها على وجود الصانع PageV02P114 # وكمال قدرته تعالى.
ولا يحصل جميع ذلك إلا بالتناول، أما الاغتذاء والتلذذ فواضح.
وأما الاجتناب مع الميل فكذلك، وإلا لم يكن ميل.
وأما الاستدلال: فلأنه موقوف على معرفتها، ومعرفة المذوقات موقوف على التناول وتحصيل الغرض مطلوب، وهو وإن لم يكن واجبا فلا أقل أن يكون مباحا.
وأجيب عن الأول: بمنع حكم الأصل وهو إباحة الاستظلال دون إذن مالكه؛ لكونه من الأفعال الاختيارية فهو من صور النزاع وإباحته إنما ثبتت بالشرع.
وبأن علية الأوصاف أيضا ممنوعة. PageV02P115
يعني أنا وإن سلمنا إباحة الاستظلال، لكن لا نسلم أن العلة لإباحة هذه الأوصاف التي ذكرتم، وهو الانتفاع الخالي عن أمارة المفسدة إلى آخره والقياس إنما يصح عند اشتراكهما في العلة.
فإن قالوا وجدنا الإباحة دائرة مع هذه الأصاف وجودا وعدما فكانت هي العلة.
قلنا: دلالة الدوران على كون الوصف علة للشيء الذي دار PageV02P116 # معه دلالة ضعيفة، وإليه أشار بقوله: «والدوران ضعيف» إذ لا يفيد القطع بل الظن -على رأي المصنف- والمطلب قطعي ولا يضرنا ادعاءهم أن الدوران يفيد القطع؛ لأنه لو كان ضروريا لما اختلف فيه وأدلتهم النظرية تقبل الطعن.
وأجيب عن الثاني: أن أفعاله -تعالى- لا تعلل بالغرض، لأنه إن كانت العلة قديمة لزم قدم الفعل، وإن كانت حادثة لزم أن يكون لها علة ويتسلسل، فلا نسلم أنه خلقها لغرض ولا يلزم العبث؛ إذ له أن يفعل ما يشاء كما مر.
وإن سلم فالحصر في هذه الأشياء الأربعة (التي ذكرتموها) PageV02P117 # ممنوع ولما لا يجوز أن يكون الغرض يعود إلينا، ولا يتوقف على التناول كالتنزه بمشاهدة ألوانها، أو الاستنشاق بروائحها، أو الاستدلال على معرفة الصانع باختلاف ألوانها وأشكالها الغريبة، أو يشتهيها فيصير عنها فيثاب عليه، فلا يلزم من عدم الإباحة عبث.
وقال الآخرون: الأفعال الاختيارية تصرف في ملك الغير بغير إذن المالك وهو الله 0 تعالى- فيحرم كما في الشاهد أي: المخلوق فإنه يحرم التصرف في ملكه بغير إذنه. PageV02P118
ورد: بأن الشاهد يتضرر به، أي: بالتصرف (في ملكه) لضيق ملكه دون الغائب عن أبصارنا، وهو الله تعالى لتنزهه وتعاليه عن التضرر ولسعة ملكه.
تنبيه: فيه جواب وسؤال أورده القائلون بالإباحة والحرمة على القائلين بالتوقف فقالوا: هذه الأفعال إن كان ممنوعا عنها فتكون محرمة وإلا فتكون مباحة، ولا واسطة بينهما.