الفرع الثاني: الأفعال الاختيارية PageV02P105 # قبل البعثة مباحة عند المعتزلة البصرية وبعض الفقهاء.
محرمة عند المعتزلة البغدادية، وبعض الإمامية وابن أبي هريرة من PageV02P106 # الشافعية.
وتوقف الشيخ أبو الحسن الأشعري وأبو بكر الصيرفي الشافعي.
وفسره الإمام (فخر الدين) الرازي أي فسر التوقف بعدم الحكم.
والأولى أن يفسر بعدم العلم؛ لأن الحكم قديم عنده أي عند PageV02P107 # الأشعري.
ولا يتوقف تعلقه أي: الحكم على البعثة أي: عند الشيخ لتجويزه التكليف بالمحال.
واعلم أن المعتزلة قسمت الأفعال الاختيارية إلى ما لا يقضي العقل فيها بحسن ولا قبح، وإلى ما يقضي.
فالأول لهم فيها ثلاثة مذاهب:
الأول: الحرمة وثبوت الحرج في حكم الشرع.
وثانيها: الإباحة أي: الإذن وعدم الحرج. PageV02P108
وثالثها: التوقف وفسر تارة بعد الحكم.
ورد بأنه قطع لا وقف، وتارة بعدم العلم بأن هناك حكما أم لا، أو أنه الحظر أو الإباحة.
فإن قلت: كيف يتصور القول بالحظر أو الإباحة بالمعنى المذكور.
مع انه لا شرع ولا حكم من العقل بحسن أو قبح.
أجيب: بأن معناه أن الفعل الذي لا يدرك العقل فيه بخصوصه جهة محسنة أو مقبحة كأكل الفواكه مثلا، ولا يحكم فيه بخصوصه بحكم نفصيلي في فعل فعل بحكم العقل فيها على الإجمال إنها محرمة عند الشارع وإن لم يظهر الشرع ولم يبعث النبي، أو مباحة.
وأيضا يجوز أن يجزم بأحدهما ولا يكون عالما بالحسن ولا بالقبح لا لنفسه، بل لأمر آخر مثل أن يجزم بالحرمة للاحتياط. PageV02P109
والثاني: ينقسم عندهم إلى الأقسام الخمسة المشهورة من: واجب، ومندوب، ومحرم، ومكروه، ومباح؛ لأنه لو اشتمل أحد طرفيه على مفسدة، فإما فعله فحرام، أو تركه فواجب، وإن لم يشتمل عليها، فإن اشتمل على مصلحة، فإما فعله فمندوب أو تركه فمكروه، وإن لم يشتمل عليها أيضا فمباح.
وأنت مع هذا الخبير بما في كلام المصنف في هذه المسألة من مناقشة.
وقوله: «وفسره الإمام بعد الحكم» سهو وإن الذي فسره به الإمام هو ما اختاره بقوله: والأولى. PageV02P110
وإن سلم أن الإمام فسره بهذا، فلا اعتراض على الإمام، لأن الشيخ فرع هذا الكلام على تقدير حكم العقل، لا على مذهبه، فلا يعد على تقدير كونه حاكما أن لا يحكم فيما يستقل بإدراك جهة حسنة وقبحة إلى أن يرد الشرع.
ولا يعترض أيضا بأن هذا جزم لا توقف؛ لأن مراده بعدم الحكم المذكور من الحظر أو الإباحة، لا عدم الحكم مطلقا، فالتوقف في غيرهما. PageV02P111
وقوله: لا يتوقف إلى آخره جواب عن سؤال تقديره: إن تعلق الحكم بالأفعال الاختيارية حادث، فيجوز أن يكون المراد بعدم الحكم قبل البعثة عدم التعلق كما مر.
والجواب: أن التعلق لا يتوقف على البعثة أيضا عند الأشعري لجواز التعلق قبل الشرع، وإن لم يعلم المكلف إذ غاية ما يلزم منه أنه تكليف بالمحال، وهو جائز على رأيه.
وقد نظر؛ لأنه لا يلزم من تجويز التكليف بالمحال أن يكون التعلق سابقا على البعثة، وقد قام الدليل على أن هذه الصورة لم تقع، وهو ما سبق من قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} الآية
احتج الأولون: بأنها أي الأفعال: الاختيارية، كأكل PageV02P112 # الفواكه اللذيذة، والمراتب البية، والملابس السنية، والمناكح الشهية انتفاع خال عن أمارة المفسدة؛ إذ الغرض أنه كذلك، وعن مضرة المالك؛ لأن مالكها هو الله -تعالى- وهو لا يتضرر بشيء، فتباح كالاستظلال بجدار الغير، والاقتباس من ناره بغير إذنه، حيث تحقق الانتفاع الخالي عن أمارة المفسدة؛ إذ هو المفروض.