قلنا: الجواب عن الأول، وهو قوله تعالى: {فاسألوا} مخصوص بالعوام، وإلا أي: لو يخص بالعوام بل شمل المجتهدين الغير العالمين، لوجب على المجتهد بعد الاجتهاد، ولا قائل به.
ويجب أن يكون قوله: "لوجب" أي: لوجب أن يجوز للمجتهد التقليد بعد الاجتهاد، وهو باطل أيضا.
وأيضا: {فاسألوا} أمر بالسؤال من غير تعيين المسئول، وهو PageV06P341 # مطلق صادق تصوره، ويقول به في السؤال عن الأدلة والكشف عنها.
وأيضا: فالمجتهد لا يخرجه عن كونه عالما غبية المسألة عن ذهنه مع تمكنه من معرفتها من غير احتياج على غيره.
والجواب عن الثاني وهو قوله: {أطيعوا الله} الآية.
إنه إنما ورد في الأقضية جون المسائل الاجتهادية؛ لأنه مطلق لا عموم له فيصدق بذلك، أو هي طاعتهم في قبول أدلة الأحكام.
والمراد من السيرة: في قول عبد الرحمن: العدل، والإنصاف بين الناس، والبعد عن حب الدنيا؛ لا الأخذ بالاجتهاد.
وإلا لجاز للمجتهد تقليد الميت، وهو باطل بالإجماع. كما قاله العبري. PageV06P342
وعلم من كلام المصنف جواز تقليد المفضول من المجتهدين مع التمكن من تقليد الفاضل، وهو المشهور.
وفيه خلاف مذكور في الشرح مع فوائد أخرى.
المسألة الثالثة: فيما يجوز فيه الاستفتاء وما لا يجوز
.
إنما يجوز الاستفتاء في الفروع على ما سبق، فإذا وقعت لعامي PageV06P343 # حادثة فاستفتى فيها مجتهدا، وعمل فيها بفتوى ذلك المجتهد، فليس له الرجوع عنه إلى فتوى غيره في تلك الحادثة بعينها بالإجماع، كما نقله ابن الحاجب وغيره.
(وفي جمع الجوامع: الخلاف فيه).
وإن كان قبل العمل، فقال النووي: المختار ما نقله الخطيب وغيره أنه إن لم يكن هناك مفت آخر لزمه بمجرد فتواه وإن لم تسكن نفسه. PageV06P344
وإن كان هناك آخر لم يلزمه بمجرد إفتائه إذ ليس له أن يسأل غيره.
وحينئذ فقد يخالفه فيجيء فيه الخلاف في اختلاف المفتين.
أما إذا وقعت له حادثة غير تلك، فالأصح أنه يجوز له أن يستفتي فيها غير من استفتاه في الحادثة السابقة.
وقطع الكيا الهراسي بأنه يجب على العامي أن يلتزم مذهبا معينا. PageV06P345
واختار في جمع الجوامع: أنه يجب ذلك ولا يفعله بمجرد التشهي، بل يختار مذهبا يقلده في كل شيء يعتقده أرجح أو مساويا لغيره لا مرجوحا.
وقال النووي: الذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزمه التمذهب بمذهب، بل يستفتي من شاء، لكن من غير تلفظ للرخص ولعل من منعه لم يثق بعدم تلفظه، وإذا التزم مذهبا معينا، فيجوز له الخروج عنه على الأصح في الرافعي.
ثم إذا قلنا بالجواز فشرطه أن لا يتتبع الرخص بأن يختار من كل مذهب ما هو أهون عليه بل يفسق بذلك كما نقله الرافعي عن أبي PageV06P346 # إسحاق.
وعن أبن أبي هريرة: لا يفسق.
وذكر القرافي: أن تقليد مذهب الغير حيث جوزناه؛ فشرطه أن لا يكون موقعا في أمر يجتمع على إبطاله الإمام الذي كان على مذهبه والإمام الذي انتقل إليه.
واختلف في الاستفتاء والتقليد في الأصول، وهو علم يبحث فيه عن ذات الله تعالى وما يجب له، وما يمتنع عليه من الصفات وأحوال الممكنات والمبدأ والمعاد على قانون الإسلام؛ كوجود الباري ووحدته وإثبات الصفات وصحة النبوات.
فقال الجمهور: لا يجوز للمجتهد ولا للعامي التقليد فيه؛ لأن PageV06P347 # تحصيل العلم في الأصول واجب على الرسول- صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله}.