الرابع: الترجيح بوقت وروده
الوجه الرابع من الوجوه السبعة: الترجيح بوقت وروده.
أي: بوقت ورود الخبر.
وهي ستة أقسام ذكرها الإمام الرازي وضعفها.
فترجح الأخبار المدنيات على المكيات.
قال الإسنوي: والمصطلح عليه بين أهل العلم أن المكي: ما ورد قبل الهجرة سواء كان في مكة أم في غيرها.
والمدني: هو ما ورد بعدها، سواء كان في المدينة أم في مكة أم في غيرهما.
قال: وهذا الاصطلاح ليس هو المراد هنا؛ لأنه لو كان كذلك لكان المدني ناسخا للمكي بلا نزاع.
وأيضا فلأن تقديم المنسوخ على الناسخ، ليس من باب الترجيح، PageV06P231 # كما نص عليه الإمام، بل المراد أن الخبر الوارد في المدينة مقدم على الوارد في مكة، سواء علمنا أنه ورد في مكة قبل الهجرة أو لم نعلم الحال.
قال الإمام: لأن الغالب في المكيات، ورودها قبل الهجرة والوارد منها بعد الهجرة قليل، والقليل ملحق بالكثير، فيحصل الظن بأن هذا الحديث الوارد في مكة إنما ورد قبل الهجرة، فيجب تقديم المدني عليه لكونه متأخرا.
ويرجح الخبر المشعر بعلو شأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأن ظهور أمره كان في آخر عمره (صلى الله عليه وسلم) فدل على التأخير. PageV06P232
كذا أطلقه المصنف تبعا للحاصل.
وفي المحصول الأولى أن يفصل، فيقال: إن دل أحدهما على العلو والآخر على الضعف، قدم الدال على العلو.
وأما إذا لم يدل الآخر لا على القوة ولا على الضعف، فمن أين يقدم الأول عليه؟
وأجيب: بأنه إن كان التأخير سببا للرجحان فالدال على العلو معلوم التأخير، أو مظنونة، بخلاف ما لم يدل على شيء.
ويرجح الخبر المتضمن للتخفيف على المتضمن للتغليظ؛ لأنه أظهر تأخرا فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يغلظ في ابتداء أمره زجرا لهم عن العادات الجاهلية، ثم مال إلى التخفيف، كذا في الحاصل وتبعه المصنف. PageV06P233
قال الإسنوي: وإطلاق هذه الدعوى مع ما سيأتي من كون المحرم مقدما على المبيح لا يستقيم.
وقد جزم الآمدي بتقديم الدال على التشديد، قال: لأن احتمال تأخره؛ أظهر لا لأن الغالب منه -عليه الصلاة والسلام- أنه ما كان يشدد إلا بحسب علو شأنه، ولهذا أوجب العبادات شيئا فشيئا، (وحرم المحرمات شيئا فشيئا)، وتبعه ابن الحاجب.
والإمام الرازي ذكر هذا الحكم في حادثة كان -عليه الصلاة والسلام- يغلظ فيها زجرا للعرب عن عاداتها، ثم خفف فيها نوع تخفيف.
ولا يلزم منه العدول إلى التخفيف مطلقا، كما ظنه PageV06P234 # صاحب الحاصل والمصنف.
وحينئذ فليس بين الإمام والآمدي، اختلاف.
قال العراقي: والحق أن المتضمن للتغليظ يقدم على المتضمن للتخفيف.
ويرجح الخبر المطلق من غير تاريخ على خبر متقدم التاريخ؛ لأن المطلق أشبه بالمتأخر.
وقيل بالعكس.
ويرجح الخبر المؤرخ بتاريخ مضيق، أي: واردا في آخر عمره -عليه الصلاة والسلام- على الخبر المطلق؛ لأنه أظهر تأخرا. PageV06P235