الأول: النص القاطع
الطرف الأول: في الطرق الدالة على العلية وهي تسعة
أو في الطرق الدالة على إبطالها، أو في أقسامها.
الطرف الأول
في
الطرق الدالة على العلية
وهي تسعة:
الأول: النص.
والمراد به هنا: ما يدل بالوضع من الكتاب والسنة على علية وصف الحكم كما مر. PageV05P242
وهو قسمان: قاطع، وظاهر:
الأول: القاطع، وهو الذي لا يحتمل غير العلية، كقوله تعالى في الفيء: {كيلا يكون دولة}.
أي: إنما وجب تخميسه كيلا يتداوله الأغنياء بينهم، فلا يحصل للفقراء منه شيء.
والدولة -بالفتح والضم-. PageV05P243
وقوله عليه الصلاة والسلام: "إنما الاستئذان لأجل البصر".
متفق عليه بلفظ: "من أجل".
أي: إنما جعل الاستئذان واجبا في الشرع لأجل حفظ البصر، حتى لا يقع على من حرم النظر إليه.
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إنما نهيتكم عن لحم الأضاحي لأجل الدافة" رواه مسلم بلفظ: "من أجل".
أي: لأجل التوسعة على الطائفة التي قدمت المدينة في أيام التشريق.
والدافة: -بالدال المهملة وتشديد الفاء- القوافل السيارة، لأجل PageV05P244 # كثرة الناس، مأخوذ من الدفيف، وهو السير اللين.
وفي معنى "لأجل"، "ومن أجل"، "لعله كذا" أو "بسبب كذا" أو "المؤثر" أو "الموجب".
ومنه "إذن" نحو قوله تعالى: {إذا لأذقناك ضعف الحياة} الآية.
وتركها المصنف؛ لأنها بمعنى لأجل.
القسم الثاني: النص الظاهر اللام، إلى آخره.
وقول المصنف: "والظاهر" معطوف على القاطع.
وقوله: "اللام" إما بدل منه، أو مبتدأ خبره محذوف، تقديره: PageV05P245
فمنه اللام".
كقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس}.
فإن أئمة اللغة، قالوا: اللام للتعليل، وقولهم في الألفاظ حجة، ولم يكن قاطعا لاحتماله الملك والاختصاص وغيرهما.
وأما قوله تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن الإنس}.
وقول الشاعر: PageV05P246
له ملك ينادي كل يوم *** لدوا للموت وابنوا للخراب
فإن اللام فيهما لما تعذر حملها على التعليل؛ إذ جهنم لا تكون علة للخلق، والموت ليس علة للولادة ولا الخراب علة للبناء، كانت للعاقبة مجازا؛ لأن عاقبة كثير من المخلوقين جهنم، وعاقبة الولادة الموت، وعاقبة البناء الخراب.
وإنما قلنا ذلك: لئلا يلزم الاشتراك، والمجاز خير منه.
ووجه العلاقة أن عاقبة الشيء مترتبة عليه في الحصول كترتب العلة العامة على معلولها.
تنبيه:
أخرج البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن ملكا بباب من أبواب الجنة ينادي كل يوم: من يقرض الله اليوم يجزى غدا". PageV05P247
الحديث من رواية مؤمل بن إسماعيل وفيه: "وإن ملكا بباب آخر يقول: يا بني آدم، لدوا للموت وابنوا للخراب".
وفي كتاب "الزهد الكبير" لأحمد -رضي الله عنه- عن طريق عبد الواحد بن زياد قال: قال عيسى -عليه الصلاة والسلام-: "يا بني آدم لدوا للموت وابنوا للخراب".
ومن الظاهر "إن" مثل قوله -صلى الله عليه وسلم- في المحرم الذي وقصته ناقته: "لا تقربوا طيبا؛ فإنه يحشر يوم القيامة PageV05P248 # ملبيا".
متفق عليه بلفظ: "فإنه يبعث".
وجعل المصنف هذا مثالا للتعليل الصريح، ليس مخالفا لما سيأتي له من جعله مثالا للإيماء لأن فيه جهتان: جهة تدل على التعليل PageV05P249 # بالصريح وهي "إن" وجهة تدل بالإيماء: هي ترتب الحكم على الوصف بالفاء، فصح التمثيل به للنص تارة وللإيماء أخرى.