المسألة الرابعة: في أن اتفاق أهل العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر الأول إجماع أم لا؟
والاتفاق بعده ينافي ذلك الإجماع، فلو جاز وقوعه لزم رفع الإجماع. وهو باطل، لما تقدم في النسخ.
وجوابه: ما سبق: وهو أن الإجماع على التخيير كان مشروطا بعدم الاتفاق، فإذا اتفقوا فيزول بزوال شرطه.
ولما كان الجواب يعلم مما سبق اكتفي به.
المسألة الرابعة
إذ اختلف أهل العصر على قولين، ثم حدث بعدهم مجتهدون آخرون وحصل منهم الاتفاق على أحد قولي الأولين بعد ما استقر خلاف الأولين، وقال كل بمذهب.
وذلك كالاتفاق على حرمة بيع أم الولد مع أن عليا وابن مسعود وجابرا (رضي الله عنهم) وغيرهم كانوا يقولون بالجواز. PageV05P107
وكاتفاقهم على حرمة نكاح المتعة، وهو نكاح المرأة إلى مدة. PageV05P108
مع أن ابن عباس كان يفتي بالجواز، بعد استقراء خلاف الصحابة في المسألتين.
فهو إجماع وحجة، وبه قال الإمام الرازي، وأتباعه (وصححه النووي في شرح مسلم).
خلافا لبعض الفقهاء والمتكلمين، حيث قالوا: إنه يمتنع حصوله، PageV05P109 # منهم الإمام أحمد (رضي الله عنه) وإمام الحرمين والأشعري والغزالي والآمدي.
وقال بعضهم: لا أثر لهذا الإجماع، وهو مذهب الشافعي، كما نقله الغزالي، وابن برهان.
قال ابن الحاجب: والحق أنه بعيد إلا في القليل من المسائل.
وصحح في جمع الجوامع: الامتناع إن طال الزمان، والجواز إذا قرب.
وحكي عن إمام الحرمين. PageV05P110
قال الآمدي: ولا نسلم حصول الإجماع في المثال الأول، لأن الشيعة يقولون بالجواز.
قلت: وهو مذهب داود وأحد قولي الشافعي -رضي الله تعالى عنه. ونقل الماوردي عن ابن عباس (رضي الله عنهما) الرجوع عن جواز نكاح المرأة إلى مدة، وأفتى بالتحريم، والله أعلم.
لنا: على أن هذا الاتفاق إجماع وحجة، هو أنه أي هذا PageV05P111 # الاتفاق سبيل المؤمنين، وكل ما هو سبيل المؤمنين يجب اتباعه لما سبق.
قيل: إثبات هذا الحكم المختلف فيه بهذا الاتفاق رد للخلاف عند التنازع إلى الإجماع؛ لأن الرد إليه رد إلى غير الكتاب والسنة، وهو غير جائز، لقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}.
فقد أوجب الرد إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم -لا إلى الإجماع.
قلنا: زال شرط وجوب رد النزاع إلى الكتاب، وذلك لأن وجوب رد النزاع إلى الكتاب مشروط بوجود النزاع، فلما زال الشرط، وهو النزاع بين العصر الثاني زال المشروط وهو الرد إلى الكتاب، وفيه نظر. PageV05P112
فالأحسن أن يجاب بأن الرد إلى الإجماع رد إلى الكتاب.
قيل: لو كان اتفاق أهل العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول حجة، لكان اتفاق التابعين على أحد قولي الصحابة حجة، وكان الأخذ بقول الفريق الثاني من الصحابة غير جائز؛ لأنه مخالف لما وجب إتباعه، لكنه اهتداء، لما روي عنه -صلى الله عليه وسلم -أنه قال: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم».
روى عن طرق كثيرة. PageV05P113
(وقال ابن حزم: موضوع).
قال البيهقي: مشهور المتن وأسانيده ضعيفة.
قال الزركشي: لكن يتقوى طرقه بعضها ببعض، لاسيما وقد احتج به الإمام أحمد - (رضي الله عنه).
قال أبو يعلى: واحتجاجه يدل على صحته عنده، وله شواهد في الصحيح فدل الحديث على حصول الاهتداء بالاقتداء بقول كل واحد PageV05P114 # منهم سواء حصل بعد ذلك اتفاق أم لا، والتقييد خلاف الظاهر.