المسألة الثانية: في أن الإجماع من أمة نبينا حجة خلافا للنظام والشيعة والخوارج
فالأحسن في الجواب: أنه تشكيك في مصادمة الضرورة فإنا نعلم قطعا من الصحابة والتابعين الإجماع على تقديم الدليل القاطع على المظنون، وما ذلك إلا بثبوته عنهم، وبنقله إلينا ففسد ما استدلوا به.
الثانية
أنه أي: الإجماع حجة يجب العمل به، خلافا للنظام المعتزلي.
والشيعة -بكسر الشين -وهم كل من قال بتفضيل علي -رضي الله عنه وكرم الله وجهه -بعده إلى يمونا هذا والخوارج، فإنه وإن نقل عنهم PageV05P050 # ما يقتضي الموافقة، فعند التحقيق هم مخالفون.
أما النظام: فلأنه لم يفسر الإجماع باتفاق المجتهدين، بل قال: هو كل قول يحتج به.
وأما الشيعة: فإنهم يقولون: الإجماع حجة، لكونه مشتملا على قول الإمام المعصوم، فقوله هو الحجة فقط، لا الإجماع.
وأما الخوارج: فنقل عنهم: أن إجماع الصحابة حجة قبل حدوث الفرقة، وأما بعدها فالحجة في إجماع طائفتهم لا غير؛ لأن العبرة بقول المؤمنين، ولا مؤمن عندهم، إلا من كان على مذهبهم.
وكلام المصنف: يوهم أن النظام يسلم إمكان الإجماع، ويمنع PageV05P051 # حجيته.
ونقل ابن برهان، وابن الحاجب عنه أنه محال.
لنا: على كون الإجماع حجة وجوه:
الأول: أنه -تعالى -جمع بين مشاقة الرسول وإتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد، حيث قال: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم} الآية.
فتكون متابعة غير سبيل المؤمنين محرمة؛ إذ لا يجمع بين الحرام والمباح PageV05P052 # في الوعيد كالكفر وأكل الخبز.
وإذا حرم إتباع غير سبيلهم، فيجب إتباع سبيلهم، إذ لا مخرج عنهما؛ لأن حرمة إتباع غير سبيلهم، وإن كانت أعم من وجوب إتباع سبيلهم بحسب المفهوم، لكن لا مخرج بحسب الوجود من إتباع غير سبيلهم، وإتباع سبيلهم، إذ ترك إتباع سبيلهم، إتباع سبيل غيرهم.
لأن معنى السبيل هنا: ما يختاره الإنسان لنفسه من قول، أو فعل، أو اعتقاد.
فيجب إتباع المؤمنين الذين هم أهل الإجماع.
فإن هذا معنى إتباع سبيلهم الذي هو الإجماع. PageV05P053
قيل: اعتراضا على الدليل: أنه -تعالى -رتب الوعيد على الكل، يعني: على المجموع المركب من مشاقة الرسول - (صلى الله عليه وسلم).
ومخالفة سبيل المؤمنين؛ للعطف بالواو التي هي للجمع المطلق.
وحينئذ لا يلزم حرمة مخالفة سبيل المؤمنين، إذ لا يلزم من حرمة المجموع حرمة كل واحد من أجزائه، كجمع الأختين دون كل واحدة.
قلنا: بل الوعيد مرتب على كل واحد من المشاقة ومخالفة سبيلهم، وإلا لغي ذكر المخالفة، أي لو لم يكن الوعيد مرتبا على كل واحد منهما، للزم أن يكون ذكر مخالفة سبيل المؤمنين لغوا، لأن PageV05P054 # المشتاقة وحدها مستقلة.
في اقتضاء ترتيب الوعيد عليها، واللغو في كلام الله -تعالى- محال.
قيل عليه: سلمنا أن الوعيد مرتب على كل واحد منهما، لكن لا يلزم من ذلك أن تكون مخالفة سبيل المؤمنين حراما مطلقا؛ لأنها معطوفة على المشاقة، والمشاقة مشروطة بتبيين الهدى، فتكون المخالفة أيضا مشروطة بذلك، إذ الشرط في المعطوف عليه شرط في المعطوف، لأن الأصل: اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات، والهدى عام لاقترانه باللام، فتكون متابعة غير سبيل المؤمنين حراما، إذا تبين جميع أنواع الهدى، ومن جملة الهدى الدليل الذي أجمعوا عليه، أي سند الإجماع وإذا تبين ذلك استغنى به عن الإجماع، فلا يبقى للتمسك بالإجماع فائدة لثبوت الحكم بذلك الدليل لا بالإجماع فلا يكون الإجماع حجة. PageV05P055