التقسيم الثاني للحكم
هذا تقسيم ثان للفعل الذي تعلق به الحكم، وهو مستلزم لتقسيم الحكم.
فالفعل إن نهى الشارع عنه فهو القبيح، وتحته قسمان: المحرم والمكروه.
وإن لم ينه عنه فهو الحسن، فيدخل فيه أفعال المكلفين من الواجب والمندوب والمباح، وأفعال غيرهم كالساهي والصبي والنائم، وأفعال الله تعالى.
واعلم: أنه يجوز أن يكونه قسم الشيء أعم من مقسمه. PageV01P347
تحقيق مسألة التحسين والتقبيح العقليين
كما يقال: العالم إما واجب أو ممكن، والممكن أعم من العالم (من وجه).
فكذا هنا المقسم فعل هو متعلق الحكم الشرعي، وقسمه الحسن.
وقال إمام الحرمين: المكروه ليس بحسن ولا قبيح.
فإن القبيح ما يذم عليه، والحسن ما يسوغ الثناء عليه، وهذا لا يسوغ الثناء عليه.
قال السبكي: ولم نر أحدا نعتمده خالف إمام الحرمين فيما قال إلا ناسا أدركناهم، قالوا: إنه قبيح؛ لأنه منهي عنه، والنهي أعم من نهي PageV01P348 # تحريم وتنزيه.
وكذا اختار إمام الحرمين: امتناع إطلاق الحسن على فعل غير المكلف.
(واعلم أن مراد المصنف بالمباح: هو ما استوى طرفاه في نظر الشارع، وهو ما حده أولا بقوله: «ما لا يتعلق بفعله وتركه مدح ولا ذم».
ولا يرد عليه فعل غير المكلف؛ لأنه ما دخل في جنسه، إذ المراد ب «ما» «فعل المكلف». PageV01P349
هل المباح حكم شرعي؟
ولو أراد «المباح» بالمعنى الأعم لم يمتنع عطف غير المكلف عليه؛ لأنه يكون من عطف الخاص على العام).
والمعتزلة قالوا: أي القبيح: ما ليس للقادر عليه العالم بحاله أي بصفته من المفسدة الداعية إلى تركه (أن يفعله).
والحسن: ماله أي: للقادر عليه العالم بصفته أن يفعله.
فالقبيح الحرام فقط، والحسن يشمل الواجب والمندوب والمكروه، والمباح وفعل الله تعالى.
ويؤخذ منه أن الفعل إذا لم يقدر عليه كالعاجز عن الشيء والملجأ إليه، فإنه لا يوصف عندهم بحسن ولا قبح وكذا ما لم يعلم حاله كفعل الساهي والنائم. PageV01P350