(قيل: وأتى بكلمة «من» إيماء إلى أن صلتها المجد والشرف التام الحاصل له بحسب عظمة الصفات وكبرياء الذات، بلغت إلى مرتبة إذا لوحظت تعين إسنادها إلى الله -تعالى -بحيث لا مجال للوهم أن ينسبها لغيره.
فإذن لا فرق في التعبير عن خصوصية الذات بين الاسم العلمي وغيره، على أن كلمة من تفيد فخامة ليست في غيرها).
وتمجد، قال الحلواني: أي أخذ المجد لذاته كما تقدم، (أي PageV01P202 # اتصف بالعظمة والجلال).
والمجيد: الشريف لذاته، الجميل أفعاله، الجزيل عطاؤه ونواله، فكأن شرف الذات إذا قارنه حسن الأفعال سمي مجيدا.
والمجد: الشرف التام الكامل، وهو لله -تعالى -في ذاته وصفاته وأفعاله.
والمجد: السعة وكثرة الخير.
والباء: في قوله بالعظمة للملابسة والمصاحبة لا للسببية، أي: مجده مصاحب للعظمة والجلال.
والعظيم من صفات الله -تعالى -: بمعنى أنه أعظم من كل PageV01P203 # عظيم (في نفاذ حكمه، وكمال قدرته، وقهره، وسلطانه، وأعظم من كل) عظيم في أن العقول لا تصل إلى كنه صمديته.
والجليل: هو الموصوف بنعوت الجلال.
ونعوت الجلال هو العز، والملك، والتقديس، والعلم، والقدرة، وغيرها من الصفات.
فالجامع لجميعها هو الجليل المطلق وهو الله -تعالى -.
قال الغزالي: وكأن الجليل يرجع إلى كمال الصفات، والعظيم إلى كمال الذات، والصفات جميعها منسوبا إلى إدراك البصيرة (إذ كان PageV01P204 # بحيث يستغرق البصيرة) ولا تستغرقه البصيرة. انتهى
وصفات الله تعالى ثبوتية: كالحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والبقاء.
وسلبية: مثل ليس بجسم ولا عرض ولا في مكان. PageV01P205
قال الحلواني: فأشار المصنف (رحمه الله) بالعظمة إلى الصفات الثبوتية، وبالجلال إلى الصفات السلبية، (وأخر الصفات السلبية) رعاية للسجع.
أو يقال: صفاته -تعالى -صفات لطف، وصفات قهر، تسمى بصفات الجمال والجلال، فأشار بالعظمة إلى صفات الجمال أي اللطف، وأشار بالجلال إلى صفات القهر. وجمع بينهما ليكون العبد بين الخوف والرجاء.
قال العراقي: PageV01P206
والمحفوظ «تقدس من تمجد بالعظمة والجلال»
وذكر الشيخ تقي الدين السبكي إنها: والجمال.
وقال: ومشاهدة صفة الجمال تثير المحبة ومشاهدة صفة الجلال تثير الهيبة، والعظمة تثير الهيبة أيضا.
فلذلك قرن المصنف العظمة بالجمال، لتفيد معنى زائدا على الجلال انتهى. PageV01P207
وعطف المصنف قوله: «وتنزه» على قوله: «تقدس»؛ أنهما فعليتان وإعرابه كما مر.
قال الحلواني: ومعنى تنزه أي: أخذ في النزاهة أي الطهارة لذاته.
(كما تقدم).
وتفرد قال الحلواني: أي أخذ الفردانية لذاته كما مر، أي ذاته منفردة لا يشاركه شيء في القدم الذاتي فلا يكون وجوده عن الغير، وصفاته قديمة غير مسبوقة بالعدم. PageV01P208
(وتحقيقه: أن التفعل في تفرد وفي سائر ما أورده من تقدس ونحوه، ليس لمطاوعة فعل آخر، كما يقال: علمته فتعلم، بل المراد التلبس بالشيء كما يقال في المحسوسات: تقمص فيقال: في المعاني: تفعل على معنى اتصافه به، أعني من غير تكلف، ويجوز أن يكون لمطاوعة فعل، وذلك أن معنى قدس: اعتقد التطهر فالمطاوعة في لفظ «تقدس» على معنى المعتقد تقديسه، أي أنه أقام له من الحجج PageV01P209 # والبراهين ما يلزم الخلق اعتقاد تنزيهه عن كل نقص فهذا معنى المطاوعة هنا لا التأثير، فمطاوعة كل شيء بحسبه، ومن هذا يعلم حسن عدول المصنف عن الإتيان بأصل الوصف إلى صيغة التفعل؛ لأنه أبلغ إذ فيه الإيماء إلى قيام الدليل على ذلك الوصف.