الشرط الثالث: صيغة الرواية
على كتاب الله- تعالى- وبه قال الشافعي- رضي الله تعالى عنه- خلافا لعيسى بن أبان.
وأما الشرط الثالث الذي في الخبر: وهو صيغة الرواية. ففيه، أي في هذا القسم مسائل خمس:
المسألة الأولى: في كيفية ألفاظ الصحابي في نقل الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم
فنقول:
لألفاظ الصحابي في نقل الأخبار سبع درجات: PageV04P363
الأولى وهي أعلاها: حدثني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ونحوه.
كقوله: شافهني أو أخبرني، أو أنباني، أو سمعته يقول، أو رأيته يفعل كذا.
وإنما كانت أعلا الدرجات لكون هذه الصيغ نصوصا في عدم الواسطة والاتصال.
الثانية: أن يقول الصحابي: قال الرسول- صلى الله عليه وسلم- وهي دون الأولى، لاحتمال التوسط بينه وبين النبي- صلى الله عليه وسلم.
والصحيح: الاحتاج بها، حملا على سماعه منه؛ لأن الظاهر أنه لا يجزم بذلك إلا وقد سمعه منه. PageV04P364
الثالثة: أن يقول: أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بكذا أو نهى عن كذا.
وهي دون الثانية، لاحتمال التوسط، كما في الثانية، واختصاصها باحتمال اعتقاد ما ليس بأمر أمرا، لاختلاف الناس في صيغ الأمر.
واحتمال العموم والخصوص؛ لأنه مطلق يحتمل أن يكون أمرا للكل وللبعض.
وعلى التقديرين محتمل الدوام واللادوام.
والجمهور على قبول "أمر" لأن الصحابي عدل عارف باللسان، فلا يطلق ذلك إلا بعد التحقق. PageV04P365
وتوقف الإمام في القبول.
وضعف صاحب الحاصل: كونها حجة.
ولا شك أن قول الصحابي "سمعته" (عليه الصلاة والسلام" "أمر أو نهى" أقوى من قوله: "أمر" لاحتمال انتفاء التوسط.
وجعل في جمع الجوامع المرتبة الثالثة والرابعة: أن يبنى الصيغة للمفعول، فيقول أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو أوجب، أو حرم، أو رخص.
وهو حجة عند الشافعي- رضي الله عنه- والأكثرين لأن من طاوع أميرا والتزم طاعته إذا قاله، أي قال: أمرنا بكذا، فهم منه أمره- أي: أمر ذلك الأمير- فكذا هنا.
ولأن غرضه- أي غرض الصحابي- في قوله: أمرنا، بيان PageV04P366 # الشرع.
وتعليمنا إياه، فيحمل على من يصدر عنه الشرع، ويتعين أن يكون أمرا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- دون الأئمة والولاة، لأن لأمره- تعالى- ظاهر، لا يتوقف على إخبار الصحابي، ولا يكون عن الإجماع؛ لأن الصحابي من الأمة، فلا يأمر نفسه.
وهذه دون ما قبلها لمساواتها لها في الاحتمالات مع اختصاصها باحتمال: أن لا يكون ذلك الأمر صادرا عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم.
ويكون الآمر والناهي بعض الولاة، والإيجاب والحريم والترخيص استنباطا من قائله.
ولأجل هذا الاحتمال المرجوح نقل عن الكرخي، والصيرفي PageV04P367 # أنها مترددة بين أمره خاصة، وأمر كل الأمة وأمر بعض الولاة.
الخامسة: أن يقول الصحابي: "من السنة كذا"
فالأكثر على أن ذلك مرفوع، وهو أصح قولي الشافعي رضي الله تعالى عنه؛ لأنه المتبادر عند الإطلاق.
وقد نقل سالم التابعي أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة عن الصحابة أنهم إذا أطلقوا السنة لا يريدون بذلك إلا سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وكانت هذه دون ما قبلها، إذ فيها الاحتمالات المذكورة مع احتمال آخر PageV04P368 # وهو: أن يكون المراد به سنة- لغير رسول الله- صلى الله عليه (وسلم)؛ لأن السنة لغة: الطريقة كما مر.