قال أبو علي في بيان اشتراط العدد: الصحابة طلبوا العدد في وقائع كثيرة.
فمن ذلك أن أبا بكر لم يعمل بخبر المغيرة بن شعبة: في توريث الجدة إلى أن أخبره بذلك محمد بن مسلمة (رضي الله عنهم PageV04P350 # أجمعين) رواه الأربعة، ومالك في الموطأ وقال الترمذى: حسن صحيح.
ومنها: إنكار عمر خبر أبي موسى في الاستئذان حتى رواه PageV04P351
المسألة الخامسة: في الوصف الخامس وهو فقه الراوي عند أبي حنيفة
أبو سعيد (رضي الله عنهم). رواه البخاري.
وطلب العدد منهم في الروايات الكثيرة دليل اشتراطه.
قلنا: إنما طلبوا العدد عند التهمة، وقصوره عن إفادة الظن لا مطلقا، ونحن إنما ندعي أن خبر الواحد العدل مقبول حيث لا تهمة في روايته فلا يرد ما ذكر من الصور نقضا؛ لأن ذلك مما لا نزاع فيه. وبهذا يجمع بين قبولهم تارة وردهم أخرى.
الخامسة
شرط أبو حنيفة- رضي الله عنه- فقه الراوي إن خالف خبره PageV04P352 # القياس، لأن العمل بخبر الواحد على خلاف الدليل الدال على عدم اعتبار رواية الواحد خالفناه فيما إذا كان الراوي فقيها لحصول الوثوق بقوله، فبقي ما عداه على أصله من أنه لا يعمل به.
ورد بأن العدالة في الراوي تغلب ظن الصدق، فإن العدل لا يروي إلا ما يعلم أنه كما يروى فتكفي العدالة ولا حاجة إلى الفقه.
ولم يحك الشيخ أبو إسحاق الشيرازي عن الحنفية اشتراط فقه الراوي إلا فيما خالف قياس الأصول، لا مطلق القياس. PageV04P353
ولم يحكه صاحب البديع منهم إلا عن فخر الإسلام منهم خاصة لكن على تفصيل آخر مبين في الأصل مع فوائد حسنة.
وعلم من كلام المصنف: أنه لا يتوقف الأخذ بالحديث على انتفاء القرابة المقتضية لرد الشهادة، PageV04P354 # ولا على معرفة نسب الراوي، أو كونه عربيا أو ذكرا أو بصيرا وهو كذلك.
أما إذا أكثر الروايات مع قلة مخالطته لأهل الحديث، فإن أمكن PageV04P355 # تحصيل ذلك القدر في ذلك الزمان قبلت وإلا فلا.
وأما الشرط الثاني: وهو المخبر عنه، أي مدلول الخبر فأن لا يخالفه قاطع لا يقبل التأويل، سواء كان القاطع عقليا، أو نقليا، كتابا أو سنة متواترة، أو قياسا قطعي المقدمات من ثبوت الحكم في الأصل.
وكون الوصف المعين علته ووجوده في الفرع.
فإن عارض الخبر دليل قطعي.
فإن قبل التأويل: بأن يكون نصا يمكن تخصيصه بالخبر، أو قياسا يمكن تخصيص الخبر به، أو عكسه جمعنا بينهما بحسب الإمكان، جمعا بين الدليلين، وإلا رددناه؛ لأن المعارض قطعي، وخبر الواحد ظني، PageV04P356 # والقطعي راجح على الظني قطعا.
وقوله: "لا يقبل التأويل" يحتمل أن يكون صفة لقاطع، وهو الظاهر بحسب اللفظ.
ويحتمل أن يكون متعلقا بالخبر بأن يكون حالا عن مفعول يخالفه.
ويحتمل: أنه يتعلق بهما جميعا بحسب المعنى.
قال العبري: وهو الحق، فيكون حالا عن الفاعل والمفعول، أ: حال كون القاطع والخبر لا يقبل التأويل لا يعمل بالخبر، وإن قبل أحدهما أول القابل له، ولا يضره، أي: ولا يضر الخبر مخالفة القياس له، ما لم يكون قطعي المقدمات سواء كان جميعها ظنية، أو بعضها ظنية والأخرى قطعية، فلا يضر الخبر مخالفة القياس PageV04P357 # ومعارضته، فلا يقدح في قبول الخبر الواحد، بل يقدم الخبر عليه على الأصح.
ونص عليه الشافعي- رضي الله تعالى عنه- لقلة مقدماته بالنسبة إلى مقدمات القياس؛ لأن الخبر مجتهد فيه (في أمرين: عدالة الراوي، ودلالة الخبر.