بيانه: أن النص عام في أن يخرج من كل ثلاثة واحد، وقبول خبر الواحد، ووجوب العمل به.
لكن خص بالنسبة إلى أن يخرج من كل ثلاثة واحد بالإجماع، لئلا تتعطل معايش الناس، وبقي على عمومه، في الإنذار ووجوب العمل به.
وهذا الدليل إنما يتم إذا رجعنا الضمير في «ليتفقهوا» و «لينذروا» للنافرين الذاهبين وهو أحد قولي المفسرين.
وأما إذا رجعناه للمقيمين الملازمين للنبي- صلى الله عليه وسلم- كما هو القول الآخر.
قال العراقي: وهو الصحيح، فلا يتم وهنا تحقيقات في PageV04P306 # الأصل.
الدليل الثاني على أنه يجب العمل بخبر الواحد: أنه لو لم يقبل خبر الواحد لما علل بالفسق، وذلك لأن خبر الواحد على هذا التقدير، يقتضي عدم القبول لذاته.
وهو كونه خبر واحد، فيمتنع تعليل عدم قبوله بغيره.
لأن ما بالذات لا يكون بالغير، إذ لو كان معللا بالغير، PageV04P307 # لاقتضى حصوله به، مع كونه حاصلا قبل ذلك أيضا لكونه معللا بالذات وهو محال. والثاني: وهو امتناع تعليله بالفسق باطل، لقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} إذ علل رده بالفسق، فعلل عدم قبول قول الفاسقين بالتبيين؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب بالفاء يدل على العلية.
فيكون التبيين معللا بالفسق.
والتبيين: هو ظهور طلب صدق الخبر.
فيكون الخبر لذاته مقبولا، وعدم قبوله موقوف على عدم ظهور صدقه، فإذا انتفى الفسق الذي هو علة التبيين، بقي كون الخبر الواحد مقبولا لذاته وهو المطلوب. PageV04P308
الدليل الثالث (على أنه يجب العمل بخبر الواحد).
القياس على الفتوى، والشهادة، والجامع ظهور المصلحة أو دفع المفسدة.
قيل: الفتوى والشهادة يقتضيان شرعا، أي حكما خاصا في حق شخص واحد، وهو المستفتي والمشهود له.
والرواية بخلافه، فإنها تقتضي حكما عاما في حق الكل، ولا يلزم من تجويز قبول خبر الواحد في حق شخص معين يخطئ أو يصيب تجويزه في حق الكل، فإن خطره وضرره أعظم من الواحد.
ورد هذا الفرق بأصل الفتوى فإن اتباع الظن، لا يختص بمسألة ولا بشخص. PageV04P309
وأيضا: فإفتاء المفتي لا يختص بذلك المستفتي، بل يعم كل من وقع له مثل واقعته.
قيل: دليلا لمنع العمل بخبر الواحد: أنه لو جاز العمل بخبر الواحد واتباع الظن، لجاز اتباع الأنبياء الذين يدعون النبوة من غير معجزة، بل بمجرد كونه عدلا.
ولجاز الاعتقاد في معرفة الله- تعالى- وصفاته بالظن، قياسا على الرواية، وأنه غير جائز بل لا بد من اليقين اتفاقا.
قلنا: ما الجامع بين الإلهيات والنبوات، وبين خبر الواحد، فإن أبدوا جامعا، مثل دفع ضرر المظنون.
فرقنا بأن الخطأ في الإلهيات والنبوات كفر وبدعة، بخلاف PageV04P310 # الفروع.
قيل أيضا: لو كان خبر الواحد مقبولا، لكان العمل بالظن واجبا في ثبوت الحكم الشرعي، واللازم باطل، فالملزوم مثله.
أما الملازمة: فلأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن.
وأما بطلان اللازم، فلأن حكم الشرع يتبع المصلحة على معنى أنه يستلزمها.
فإن الاستقراء: دل على أن أحكامه تتبع لمصالح العباد تفضلا وإحسانا، والظن الحاصل من خبر الواحد لا يجعل ما ليس بمصلحة مصلحة؛ لأن الظن يخطئ ويصيب. فلا يعول عليه.
قلنا: ما ذكرتم من الدليل على عدم اعتبار الظن، منقوض بالفتوى، والأمور الدنيوية، فإن من قال: هذا والطعام مسموم وجب قبوله، والاحتراز عنه مع أنه يفيد الظن، والإجماع حاصل على اعتبار الظن فيها. PageV04P311