الطرف الأول: وجوب العمل بالأخبار
العلم بالقرائن المنفصلة أم لا.
والنظر فيه، أي في هذا الفصل منحصر في طرفين.
الأول: في وجوب العمل به. PageV04P299
وقد دل عليه السمع وبه قال الأكثرون.
وقال ابن سريج والقفال وأبو الحسين البصري: دل عليه العقل أيضا مع السمع.
وأنكر قوم: وجوب العمل بخبر الواحد.
ثم اختلفوا:
فقالت طائفة: لأنه لم يثبت على الوجوب دليل، ولو ثبت لأوجبناه وقالت أخرى: إنما لم يجب؛ لأن الدليل قام على عدم الوجوب.
ثم اختلف هؤلاء في الدليل المانع له، هل هو شرعي أو عقلي؟
وإليه أشار بقوله: «لعدم الدليل أو للدليل على عدمه شرعا أو عقلا». PageV04P300
وأحاله آخرون، فقالوا: ورود العمل بخبر الواحد مستحيل عقلا.
واتفقوا كلهم على الوجوب، أي: وجوب العمل بخبر الواحد في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية، كإخبار طبيب أو غيره بمضرة، شيء، ونحو ذلك من الآراء والحروب. وعبارة جمع الجوامع كالمصنف.
لكن عبارة المحصول: واتفقوا على الجواز.
وهنا مذاهب أخرى في الأصل.
لنا: على وجوب العمل بخبر الواحد وجوه ثلاثة: PageV04P301
الأول: أنه تعالى أوجب الحذر أي الاحتراز. عن الشيء، بإنذار طائفة من الفرقة بقوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}.
والإنذار: الخبر المخوف.
ويلزم منه وجوب العمل بخبر الواحد.
أما كونه تعالى أوجب الحذر، فلأن «لعل» للوجوب لتعذر PageV04P302 # حملها على حقيقة الترجي في حق الله- تعالى.
فحملت على أقرب المجازات، لأن الترجي وإن لم يكن طلبا، بل توقعا، لكن لا يفهم منه في حق الله تعالى إلا الطلب إطلاقا للملزوم، وإرادة اللازم.
لأن المترجي طالب (لما يرجوه.
فالطلب من لوازم المترجي، فالله تعالى طالب) للحذر.
ويعرف هذا من جواب المصنف للشبهة الآتية؛ فلذا لم يذكره هنا.
وأما أن الأمر للوجوب فظاهر مما تقدم فلذا لم يذكره.
أو يفهم ذلك من إيجاب الحذر بإنذار طائفة، والطائفة من كل فرقة لا تكون أهل التواتر.
وذلك لأن الفرقة اسم ثلاثة فصاعدا.
فالطائفة منها: واحد أو اثنان. PageV04P303
وبالجملة: فلا يلزم أن يبلغ حد التواتر وهو المراد بالآحاد، فقد أوجب الحذر بقول الآحاد.
قيل: اعتراضا على هذا الدليل: لعل للترجي لا للوجوب.
قلنا: تعذر الحمل على الترجي، فيحمل على الإيجاب لمشاركته في التوقع. وقد تقدم.
قيل أيضا: الإنذار: هو الفتوى، لا الخبر المخوف، والفتوى يقبل فيها خبر الواحد، إذ هو اللائق بالفقه.
لأن الفقيه إنما يحتاج إليه في الفتوى. PageV04P304
قلنا: يلزم تخصيص الإنذار بالفتوى مع أنها عامة فيها وفي الرواية، وتخصيص القوم بغير المجتهدين من المقلدين؛ لأن المجتهد لا يقلد مجتهدا في فتواه، بخلاف ما إذا حمل الإنذار على الرواية، أو على ما هو أعم فإنه ينتفي التخصيصات.
أما الأول: وهو الفتوى فواضح، ولذا لم يذكره.
وأما الثاني: فلأن الرواية ينتفع بها المجتهد وغيره من المقلدين.
فالمجتهد في الأحكام، والمقلد في الانزجار، وحصول الثواب في نقلها لغيره وغير ذلك.
قيل أيضا: لو كان المراد بالفرقة ثلاثة، فيلزم أن يخرج من كل ثلاثة واحد لأن «لولا» للتحضيض. PageV04P305
تقديره هلا، وليس كذلك إجماعا.
قلنا: خص النص فيه.