وتلك الأمور التي تمسك بها من قوله: {افعل ما تؤمر} PageV04P155 # وقوله: {إن هذا}، وحصول الفداء إنما هي بناء على ظنه - صلى الله عليه وسلم - أنه مأمور.
قلنا: ظن النبي - صلى الله عليه وسلم - مطابق يستحيل فيه الخطأ فحينئذ لا يخطئ ظنه - صلى الله عليه وسلم - لا سيما في ارتكاب هذا الأمر العظيم.
ولك أن تقرر كلام المصنف هكذا.
قيل: لا نسلم أنه كان مأمورا بالذبح، وإنما ظن ذلك ظنا بإراءة الرؤيا والجواب.
الجواب ومع هذا فما ذكروه توريط على أصلهم لإبراهيم - عليه الصلاة والسلام - في شيء يظهر أنه أمر وليس بأمر وذلك غير جائز عندهم.
قيل: وإن سلمنا أنه كان مأمورا بالذبح لكن لا نسلم أنه PageV04P156 # نسخ قبل الذبح لما روي أنه امتثل فإنه قطع فوصل، يعني كلما قطع شيئا التحم عقب القطع.
قلنا: لو كان كذلك، أي: لو أتى بالذبح لم يحتج إلى الفداء، لأن الفداء بدل، والبدل إنما يحتاج إليه إذا لم يوجد المبدل.
وأيضا هذا خلاف العادة، والظاهر، ولم بنقل معتبرا، (كذا قيل لكن روي بإسناد جيد، وأخرجه ابن أبي حاتم: أن الله ضرب على حلقه صفيحة من نحاس، قال: فقلبه على وجهه وحز القفا، فذلك قوله تعالى: {وتله للجبين} فنودي {أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} فالتفت فإذا الكبش فأخذه فذبحه ... الحديث.
قيل: لو كان الفعل واجبا في الوقت الذي عدم الوجوب PageV04P157
المسألة الرابعة: في حكم النسخ بلا بدل أو ببدل أثقل
فيه، لكان الشخص الواحد، في حكم واحد، في وقت واحد، مأمورا به ومنهيا عنه، لكن الواحد بالواحد في الواحد لا يؤمر وينهى لأنه محال.
قلنا: يجوز، وإنما يكون محالا لو كان المقصود حصول الفعل، أما إذا كان للابتلاء فلا.
كما أن السيد يقول لعبده: اذهب غدا إلى موضع كذا راجلا، وهو لا يريد الفعل، وإنما يريد امتحانه ورياضته، فلما تهيأ للذهاب يقول له: لا تذهب.
الرابعة
يجوز النسخ بلا بدل أي: يجوز نسخ الحكم الشرعي من غير حكم PageV04P158 # شرعي آخر.
وبه قال الجمهور، ومنعه قوم.
ونقل عن الشافعي -رضي الله عنه.
وقوله في الرسالة: ((وليس ينسخ فرض أبدا إلا أثبت مكانه فرض)).
أوله أبو بكر الصيرفي على أن المراد بالفرض الحكم، أي: إذا PageV04P159 # نسخ لا بد أن يعقبه حكم آخر، فليس منافيا لكلام أهل الأصول.
لأنه يرجع إلى ما كان عليه، وهو حكم.
فإن صدقة النجوى لما نسخ وجوبها، عاد الأمر إلى ما كان عليه من التخيير. PageV04P160
قال العراقي: لكن يجب أن يؤول إطلاق قولهم بلا بدل، على أن المراد بلا بدل منصوص عليه.
ويجوز أيضا: النسخ إلى بدل أثقل.
وإليه أشار بقوله: ((أو يبدل أثقل منه)).
ونقل ابن برهان عن الشافعي - رضي الله عنه - خلافه ولم يجزم به عنه، بل قال: نقله ناقلون عنه وليس بصحيح، يعني وليس بصحيح PageV04P161 # عنه.
وقوله: ((كنسخ وجوب تقديم صدقة النجوى)) يعني فإنه نسخ بلا بدل، فهو مثال للأول.
ومثال الثاني الكف عن الكفار فإن الكف عنهم كان واجبا، أي: كان قتالهم حراما، لقوله تعالى: {ودع أذاهم} ثم نسخ بالقتال أي: بإيجاب القتال مع التشديد فيه، كثبات الواحد للعشرة، وذلك أثقل من الكف. PageV04P162
(استدل- أي: بضم التاء مبني للمفعول - أي: على عدم جواز النسخ بلا بدل أو ببدل أثقل بقوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها}.