فذكر الخبر باختصار قال: وهذا أقوى ما وقفت عليه من أسانيد هذه القصة ورجاله رجال الصحيح، إلا عبد الله بن خثيم بمعجمة ثم مثلثة مصغر.
فإن مسلما أخرج له في المتابعات، وعلق له البخاري شيئا، ووثقه الجمهور.
قال: وفي هذه الأخبار رد لما ذكره الثعلبي عن جعفر، كما PageV04P138 # سيجيء).
يعني ورد بلفظ الإطلاق بل العموم، لكن على التوزيع من غير تخصيص بالبنات والبنين في زمانه ولا يقيد بوقت دون وقت.
والاحتمالات التي لم تنشأ عن دليل بل ينفيها ظاهر الدليل تكون منفية، والآن تزويج البنات من البنين محرم اتفاقا.
وهذا الرأي لليهود (لو صح ما رواه) الثعلبي عن جعفر الصادق، من إنكار تزويج أدم بناته من بنيه، (لكن فيه ما مر).
قيل: من جهة المانعين للنسخ مطلقا: المأمور به حسن والمنهي عنه قبيح والفعل الواحد (في واحد).
لا يحسن ولا يقبح، لاستلزامه الضدين. PageV04P139
المسألة الثانية: في أنه هل يجوز نسخ بعض القرآن أم لا؟
قلنا: هذا مبني على الحسن والقبح العقليين، وذلك فاسد، والمبني على الفاسد فاسد.
ومع هذا، أي: مع القول به لا استحالة، لأنه يحتمل أن يحسن لواحد، أو يحسن في وقت ويقبح لآخر، أو يقبح لواحد لكن في وقت آخر كشرب دواء بالنسبة إلى شخصين، أو إلى شخص واحد في وقتين وقد مر، وهنا تحقيقات حسنة في الشرح.
الثانية
يجوز نسخ بعض القرآن، ومنع أبو مسلم الأصفهاني ذلك، PageV04P140 # كذا في المحصول.
ونقل عنه الآمدي وابن الحاجب وغيرهما، منع وقوع النسخ في القرآن وغيره.
أما نسخ جميع القرآن فلا يكون بالاتفاق. PageV04P141
تنبيه: قال العراقي: في شرح المعالم لابن التلمساني: إن أبا مسلم هذا هو الجاحظ، وتبعوه عليه، وهو غلط ممن قاله وجهل بالتاريخ، وليست كنية الجاحظ أبا مسلم، بل كنيته أبو عثمان، وأبو مسلم هذا اسمه محمد بن علي بن محمد ذكره الذهبي (في العبر).
وقال: الأديب المفسر المعتزلي آخر أصحاب ابن المقرئ موتا، له تفسير في عشرين مجلدا، توفي سنة تسع وخمسين وأربعمائة في جمادى الآخرة وله ثلاث وتسعون سنة بتقديم التاء فيهما.
لنا: أن قوله تعالى: {متاعا إلى الحلول} نسخت بقوله PageV04P142 # تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا}.
(أخرجه البخاري عن عبد الله بن الزبير) (فنسخ الاعتداد بالحول، بأربعة أشهر وعشرا).
قال أبو مسلم الأصفهاني قد تعتد الحامل به أي: بالحول لكونه قد يكون مدة الحمل، فذلك تخصيص لا نسخ. PageV04P143
قلنا: لا تعتد الحامل بالحول، بل إنما تعتد بالحمل، أي بوضعه سواء حصل بسنة، أو أقل، أو أكثر، فخصوصية السنة لاغ لا اعتبار له؛ لأن الله تعالى أوجب الاعتداد بالحمل.
ولنا أيضا: وقوع النسخ في القرآن، وأنه دليل الجواز، وذلك في تقديم الصدقة على نجوى الرسول (صلى الله عليه وسلم) فإنه وجب بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا .... } الآية.
ثم نسخ هذا الوجوب بقوله تعالى: {فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ... } الآية. PageV04P144
رواه الطبراني والبزار والترمذي عن علي -رضي الله عنه -بمعناه، وقال: حسن.
قال أبو مسلم: إنما زال ذلك لزوال سببه، أي: سبب الوجوب، وهو التمييز بين المنافق وغيره من المسلمين، إذ المؤمن يمتثل، والمنافق PageV04P145 # يخالف، فلما حصل التمييز سقط الوجوب.