الباب الخامس: في الناسخ والمنسوخ
ما مر كان يشترك فيه الكتاب والسنة والإجماع، وهذا يشترك فيه الكتاب والسنة، دون الإجماع، لما سيأتي أنه لا ينسخ ولا ينسخ به.
وفيه، أي في الباب فصلان:
الفصل الأول: في النسخ PageV04P123 # ويقال في اللغة لمعنيين:
للإزالة: يقال: نسخت الشمس الظل، ونسخت الريح آثار القدم، أي: أزالته.
وللنقل: نسخت (الكتاب، أي: نقلت ما فيه) إلى آخر.
وهو في الاصطلاح: بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخ PageV04P124 # عنه.
فقوله: «بيان» كالجنس.
وقوله: «انتهاء»، أخرج به بيان المجمل.
وقوله: حكم شرعي، دخل فيه الأمر وغيره، وخرج به بيان PageV04P125 # انتهاء حكم عقلي، وهو البراءة الأصلية.
فإن انتهاءها بدليل شرعي ليس بنسخ.
وقوله: بطريق شرعي، ليخرج الانتهاء بطريق عقلي كالموت والغفلة والعجز، فعدم تعلق الحكم هنا لعدم قابلية المحل بطريان الموت والغفلة والعجز وليست دلائل شرعية.
وقال بطريق، ولم يقل بحكم؛ لأن النسخ قد يكون بالفعل والتقرير، كذا قيل.
والتحقيق: أنه دليل النسخ. PageV04P126
وقوله: «متراخ»، احتراز عن البيان بالمتصل: كالاستثناء والصفة.
والمنفصل: كما لو قال: «لا تقتلوا أهل الذمة» عقب قوله: «اقتلوا المشركين».
واشترط في الناسخ: أن يكون متراخيا، إذ لو لم يكن كذلك لكان الكلام متناقضا.
وأخرج به أيضا نحو: صل عند كل زوال إلى آخر الشهر.
ولا يرد على المصنف: المنسوخ إذا كان خبرا؛ لأنه إن تضمن حكما شرعيا فيفسخ، وإلا فلا ورود له.
وأما قول العدل: نسخ حكم كذا، فلم يدخل في حد المصنف؛ لأن قول العدل دال على ذلك الحكم الشرعي، فهو دليل النسخ الدال بالذات. PageV04P127
ولا يرد أيضا: ما إذا اختلفت الأمة على قولين، ثم أجمعوا على أحدهما، فإنه وإن تعين الأخذ به بعد التخيير بينهما، لأن توهم صدق الحد عليه، مع أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به، يرفعه ما احترز عنه؛ لأنه يذكره بعد استقلالا.
أو في الحد حذف تقديره: بطريق شرعي غير الإجماع.
وأيضا المراد بالتراخي في الحد: التراخي نزولا.
والفرق بين النسخ والتخصيص مر.
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: رفع الحكم، أي: حده بأنه خطاب دال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه وارتضاه الغزالي.
وقال القاضي: إنما آثرنا لفظ الخطاب على لفظ النص ليكون شاملا للفظ، والفحوى، والمفهوم، وكل دليل، إذا يجوز النسخ بجميع ذلك.
وإنما قلنا: على ارتفاع الحكم، ليتناول الأمر والنهي والخبر.
وإنما قلنا: بالخطاب المتقدم، لأن ابتداء العبادات في الشرع يزيل PageV04P128 # حكم العقل من براءة الذمة ولا يسمى نسخا.
وإنما قلنا: لولاه لكان ثابتا، لأن حقيقة النسخ الرفع، وهو إنما يكون رافعا لو كان المتقدم بحيث لولا طريانه لبقي.
وإنما قلنا: مع (تراخيه عنه، لأنه لو اتصل به لكان بيانا لمدة العبادة لا نسخا.
ورد تعريف القاضي بأن الحادث، الذي هو الرافع ضد السابق، وليس رفعه أي: رفع) الحادث السابق أولى من دفعه، أي: من دفع السابق الحادث.
والرفع والدفع مصدران مضافان إلى الفاعل. PageV04P129