المسالة الثالثة: في تخصيص المقطون بالمظنون
جلدة}. وفي الإجماع نظر: لأن مالكا -رضي الله عنه -حكى في الموطأ عن عمر بن عبد العزيز: أن العبد يجلد في القذف ثمانون كالحر.
الثالثة
يجوز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد، وبه قال الجمهور PageV04P010 # ومنع ذلك قوم مطلقا.
ومنع عيسى بن أبان من الحنفية فيما لم يخصص بمقطوع، فإن خص بدليل قطعي جاز؛ لأنه يصير مجازا بالتخصيص فتضعف دلالته.
ومنع الكرخي فيما لم يخصص بمنفصل، سواء خص بمتصل أو لم يخص أصلا فإن خص بمنفصل جاز.
وحكاية المصنف الخلاف المتقدم في تخصيص السنة المتواترة بالآحاد، تابع فيه القاضي أبا بكر فله فيه سلف. PageV04P011
وقال ابن السمعاني: محل الخلاف في خبر الواحد الذي لم يجمعوا على العمل به.
فإن أجمعوا على العمل به خص الكتاب به بلا خلاف كالمتواتر.
وفيه نظر: فإن الدال على التخصيص حينئذ الإجماع.
وفي النقل عن الكرخي نظر مبين في الأصل.
لنا: على جواز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد، أن فيه أعمالا للدليلين.
أما الخاص فمن جميع وجوهه، أي في جميع ما دل عليه.
وأما العام فمن وجه دون وجه، أي في الأفراد التي سكت عنها الخاص.
وإعمال الدليلين ولو من وجه أولى من إهمال أحدهما؛ لأن الأصل في الدليل الإعمال، فإذا أعملنا العام مطلقا بقي الخاص مهملا. PageV04P012
قيل: قال عليه السلام: «إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله (تعالى) فإن وافق فاقبلوه وإن خالف فردوه».
وخبر الواحد المعارض لكتاب الله (تعالى) مخالف له، وذلك ظاهر فوجب رده، وإذا وجب رده، لم يجز تخصيص الكتاب به، وهو خاص بالكتاب دون السنة المتواترة والمدعى عام.
قلنا: منقوض بالمتواتر، أي يجوز تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة باتفاق مع مخالفتها للكتاب.
هذا والحديث روي بمعناه، من طرق كلها ضعيفة، قاله الزركشي.
والعراقي قال: وقول شيخنا جمال الدين: غير معروف، عجيب مع كثرة هذه الطرق، وأشار إلى رواية الدارقطني له بمعناه من حديث PageV04P013 # علي والبيهقي في المدخل PageV04P014 # وابن عمر وثوبان رواهما الطبراني. PageV04P015
وإلى رواية أبي يعلى الموصلي في مسنده، والهروي في ذم الكلام، والبيهقي في طرق أخرى كلها ضعيفة.
قال الخطابي: باطل لا أصل له.
وكذا قال البيهقي.
قال بعضهم: لو صح فمعناه «اعرضوه» أي: وتجدوه غير مخالف PageV04P016 # للكتاب.
قال الله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}.
قيل: العام وهو الكتاب أو السنة المتواترة قطعي، والخاص وهو خبر الواحد ظني، والظن لا يعارض القطع.
قلنا: العام مقطوع المتن، أي اللفظ؛ لأنه بلغ إلى الرسول قطعا، مظنون الدلالة؛ لأنه يحتمل التخصيص وغيره.
والخاص بالعكس، أي: مظنون المتن لأنه خبر الواحد قطعي الدلالة، إذ لا تحتمل الأفراد الباقية، بل لا يحتمل إلا ما يفرض له، بخلاف العام فكان لكل قوة من وجه فتعادلا فجاز التخصيص، ولا يلزم التوقف. PageV04P017
لأن إعمال الدليلين يرجح التخصيص.
وضعف الأصفهاني هذا الجواب بأن خبر الواحد يحتمل المجاز والنقل وغيرهما مما يمنع القطع.
غاية ما في الباب، أنه لا يحتمل التخصيص، وذلك لا ينفع.
نعم يمكن أن يدعى قوة دلالة الخاص على مدلوله، فإنها أقوى من دلالة العام.