المسألة الرابعة: في حكم الاستثناء الواقع عقب جمل عطف بعضها على بعض
وهكذا الثالث والرابع إلى غير ذلك؛ لأنه أقرب وهو دليل الرجحان، ولا بد من مراعاة ما تقدم وهو أن الاستثناء من الإثبات نفي وبالعكس، فإذا قال: عشرة، إلا ثمانية، إلا سبعة، فالسبعة مثبتة مستثناة من الثمانية، فتضم إلى ما بقي من العشرة بعد الثمانية وهو اثنان، فيكون مقرا بتسعة وعليه فقس.
الرابعة
قال الشافعي - رضي الله عنه -: الاستثناء المتعقب للجمل المعطوف بعضها على بعض كقوله تعالى: } إلا الذين تابوا {، الظاهر أنه يعود PageV03P353 # إليها جميعا عند عدم قرينة الاتصال والانفصال.
وخص أبو حنيفة - رضي الله عنه - الاستثناء بالجملة الأخيرة.
وتوقف القاضي أبو بكر، والشريف المرتضى، من الشيعة. PageV03P354
إلا أن القاضي: توقف لعدم العلم بمدلوله لغة.
والمرتضى: لكونه مشتركا بين عوده إلى الكل، وعوده إلى الأخيرة، لأنه ورد لهما، والأصل في الاستعمال الحقيقة، فيتوقف إلى ظهور القرينة.
وهو موافق للحنفية في الحكم، وإن خالف في المأخذ، لأنه يرجع إلى الأخيرة فيثبت حكمه فيها، ولا يثبت في غيرها، لكن هما لعدم ظهور تناولها، والحنفية لظهور عدم تناولها.
وقيل: إن كان بينهما، أي بين الجملتين تعلق فللجميع مثل: PageV03P355
أكرم الفقهاء والزهاد، وأنفق عليهم إلا المبتدعة.
فتعلق أحدهما بالأخرى في هذا المثال كون أحدهما مضمرا في الأخرى.
وكذا اشتراكهما في غرض نحو: أكرم بني تميم، واخلع عليهم، فإن الغرض هو التعظيم فيهما، وإلا أي: وإن لم يكن بينهما تعلق فللأخيرة يرجع الاستثناء فقط.
لنا: على أن الاستثناء يعود على جميع الجمل، أن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات كالحال، والشرط، وغيرهما، من الظرف والمجرور.
فكذلك الاستثناء، والجامع عدم الاستقلال.
وقد يمنع الخصم حكم الأصل. PageV03P356
قيل من قبل الحنيفة: الاستثناء خلاف الدليل؛ لأنه إنكار بعد إقرار، والأصل أنه لا يعود لشيء من الجمل.
لكنه خولف في الجملة الأخيرة للضرورة، وهي صون الكلام عن اللغو، وخصت هي بالاستثناء لأنها أقرب فبقيت الجمل الأولى السابقة على الجملة الأخيرة على عمومها الذي هو الأصل.
قلنا: ما ذكرتم منقوض بالصفة والشرط، فإن دليلكم بعينه جار فيهما، لكونهما خلاف الأصل، مع أنهما عائدان للكل، وقد PageV03P357 # عرفت ما في هذا الجواب.
وقد يجاب: بأنا لا نسلم أنه يرجع للضرورة، بل عندنا أن وضعه للجميع، فلا يتقيد بالأخيرة، كما لو دل دليل على عوده إلى الجميع فإنه يعتبر إجماعا.
ومع جواز وضعه للجميع لا يتم ما ذكرتم، وعليه إشكالات وأجوبتها في الأصل.
تنبيه:
مثل المصنف بالآية وهي قوله تعالى: } والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا {.
لأن هذا الاستثناء بعد ثلاث جمل: الأولى: آمرة بجلدهم، والثانية: ناهية عن قبول شهادتهم، والثالثة: مخبرة بفسقهم. PageV03P358
ومذهب الشافعي - رضي الله عنه - جلد القاذف، وعدم قبول شهادته وأنه فاسق.
واستثنى من تاب فلا يبقى فاسقا ولا مردود الشهادة، لكن الجلد لا يسقط؛ لأن حد الآدمي لا يسقط بالتوبة، فهو خارج عن محل النزاع.