ولصار قوم ولو قليلا إلى أنه يلزمه العشرة لكون الاستثناء لغوا لأنه غير صحيح كما في المستغرق. وفيه نظر. PageV03P342
ولنا على القاضي: استثناء المخلصين من الغاوين، في قوله تعالى حكاية عن إبليس: } قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين {.
وعكسه، أي: استثناء الغاوين من المخلصين، في قوله تعالى: } إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين {.
إيضاحه: أنهما إن تساويا ثبت استثناء المساوي، وإن تفاوتا ثبت استثناء الأكثر.
وللقاضي أن يقول: الغاوين مستثنى من قوله: } إن عبادي ليس لك عليهم سلطان {.
والعباد الذين ليس لإبليس عليهم سلطان أعم من المخلصين؛ لأن عبادي جمع مضاف يفيد العموم، فإذا خرج عنه الغاوين الذين هم الكفار، بقي العباد غير الكفار، وهو أعم من المخلصين الذين هم PageV03P343 # المعصومون، وغيرهم أي: المؤمنون غير المعصومين.
فيكون المستثنى أقل من المستثنى منه.
والمخلصون في الآية الثانية أقل من الغاوين.
فالمستثنى أقل.
اللهم إلا أن يفسر العباد الذين ليس لإبليس عليهم سلطان بالمخلصين، فيستقيم ما ذكره المصنف.
لكن بالنظر إلى مفهومه أعم.
قال القاضي: الأقل ينسى فيستدرك.
يعني أن الاستثناء خلاف الأصل، إذ هو بمنزلة الإنكار بعد الإقرار.
خالفناه في الأقل؛ لأنه قد ينسى لقلة التفات النفس إليه فيستدرك ويبقى معمولا به في غيره، وهو المساوي والأكثر. PageV03P344
المسألة الثانية: حكم الاستثناء من الإثبات وبالعكس
ونقض كلام القاضي بما ذكرنا فيما تقدم من أنه إذا قال: علي عشرة إلا تسعة، فإنه صحيح بإجماع الفقهاء، واستثناء الغاوين من المخلصين.
وأجيب أيضا: بأنا لا نسلم أن الدليل منعه، وأنه إنكار بعد إقرار؛ لأنه كجملة واحدة؛ لأنه إسناد بعد إخراج، فليس فيه حكمان مختلفان.
الثانية
الاستثناء من الإثبات نفي، وبالعكس، خلافا لأبي حنيفة PageV03P345 # (رضي الله عنه).
لنا: لو لم يكن كذلك، لم يكف "لا إله إلا الله" في التوحيد واللازم باطل بالإجماع.
بيان الملازمة: أنه إنما يتم التوحيد بإثبات الإلهية لله - تعالى - ونفيها عما سواه، والمفروض أنه لا يفيد الإثبات له، وإنما يفيد النفي فقط، فلو تكلم بها دهري منكر لوجود الصانع، وهو لا يفيد إلا نفي الغير لما نفى معتقده، ولم يعلم بها إسلامه.
احتج أبو حنيفة (رضي الله عنه) بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة إلا بطهور" PageV03P346
هو بهذا اللفظ لم يحفظ كما قاله الإسنوي والزركشي.
قال العراقي: وليس كذلك بل رواه الدارقطني من حديث عائشة - رضي الله عنها.
قال الزركشي: ويقرب منه: "لا يقبل الله صلاة إلا بطهور".
رواه ابن ماجة. PageV03P347
والذي رواه مسلم: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور".
تقديره: لا صحة للصلاة إلا بطهور.
فلو كان الاستثناء من النفي للإثبات، للزم ثبوت الصلاة بمجرد الطهور، وأنه باطل بالاتفاق.
قلنا: الحصر للمبالغة، لا للفني عن الغير، كقوله: "الحج عرفة" وهنا كذلك؛ لأن الطهارة لما كان أمرها متأكدا صارت كأنه لا PageV03P348 # شرط للصحة غيرها.
حتى إذا وجدت توجد الصحة.
وأجيب أيضا: بأن قولنا: الاستثناء من النفي إثبات، يصدق بإثبات صورة واحدة من كل استثناء؛ لأن دعوى الإثبات لا عموم فيها؛ إذ هي مطلقة، وحينئذ فيقتضي صحة الصلاة عند وجود الطهارة بصفة الإطلاق، لا بصفة العموم.