بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة [المؤلف]
«اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا» (1).
الحمد لله الذى شرح صدورنا لطيبة نشر كتابه، وحفظنا بحفظ أمانيه عن الأوهام فى مشكل خطابه (2)، وأنعم علينا بتلاوته، ونسأله (3) أن يظلنا بظل جنابه ويؤهلنا للوصول إلى دار ثوابه (4). ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من اعتمد عليه والتجأ (5) به، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله القائل: «إن القرآن يشفع يوم القيامة فى أصحابه» (6) فصلى (7) الله وسلم عليه وعلى آله وصحابته، الذين حازوا قصب السبق فى تجويده وإتقانه وأحكامه وأسبابه، ورضى الله تعالى عن أئمة القرآن ومتقنيه وطلابه، خصوصا [القراء] (8) العشرة الذين جرد كل منهم نفسه للفحص (9) عن خبايا زوايا أبوابه، ورتله كما أنزل، وسار من الغير أدرى به، ورحم (10) الله المشايخ الذين أسهروا (11) ليلهم فى جمع حروفه PageV01P027
ورواياته وطرقه وأوجهه ومفرداته وتركيباته (1)، وجمع بيننا وبينهم فى عليين فى دار إحسانه مع أحبابه، وكذلك من نظر فى هذا الكتاب ودعا لمؤلفه بحسن الخاتمة والرضا به.
أما بعد: (2) فيقول العبد الفقير، المعترف بالعجز والتقصير، الملتجئ إلى جناب ربه السامع للنجوى، المنكسر خاطره لقلة العمل والتقوى، الراجى عفو ربه الممجد (3)، محمد ابن محمد [بن محمد] (4) العقيلى نسبا والنويرى شهرة (5)، والمالكى مذهبا: [إنه] (6) لما كان يوم الاثنين ثامن عشر شهر رجب (7) [الفرد] (8) سنة ثمان وعشرين وثمانمائة من الله تعالى على بالرحلة إلى مكة المشرفة- زادها الله تشريفا وتكريما- والمجاورة بها (9)، فاجتمعت (10) هناك بإمام (11) الزمان وفاكهة الأوان، وملحق الأصاغر بالأكابر، والمسوى بين الأسافل وأرباب المنابر، حافظ (12) وقته، ومتقن عصره، [و] (13) الحبر الصالح، والخل الناصح [الأستاذ] (14) محمد
بن محمد بن محمد الجزرى، أطال الله فى مدته، وأسكنه بحبوحة جنته، فقرأت (15) عليه جزءا من القرآن بمقتضى كتبه الثلاثة (16):
[وهى] (17) «النشر» و «التقريب» و «الطيبة»، وأجازنى بما بقى منه.
ثم بعد ذلك رحلت إلى المدينة المحروسة- صرف الله عنها نوائب الزمان، وحرسها من طوارق (18) الحدثان- لزيارة سيد ولد عدنان، عليه أفضل الصلاة [وأكمل] (19) السلام.
فلما قضيت منها الوطر عزمت (20) إذ ذاك على السفر، قاصدا [زيارة] (21) خليل الله PageV01P028
المكرم، وبيت المقدس [المشرف] (1) المعظم، وما حوله (2) من البقاع؛ لما اشتهر من بركتها وذاع، فاجتمع بى هناك جماعة من الحذاق (3)، قد حازوا من علم القراءات (4) قصب السباق (5): فشمروا إذ ذاك عن ساق (6) الجد والتحصيل، وجدوا جد اللبيب النبيل، فصرفت معهم (7) من الزمان شطرا، إلى الفحص عن دقائقه، فكشف الله [لهم] (8) عن بعضها [لى] (9) سترا، فالتمسوا منى أن أشرح [لهم] (10) كتاب «طيبة النشر فى القراءات العشر» للإمام العلامة (11) شمس الدين [ابن] [الجزرى] (12) المذكور؛ لأنهم بمقتضاها [قد] (13) قرءوا وعلى فهمها ما اجترءوا (14)، وإن (15) تركت هى وسبيلها لم يقدروا على تحصيلها، واجتمعوا على من كل فج، وادعوا أنه تعين كالحج، فالتفت إليه فوجدته بكرا لا يستطاع، ولا يتعلق بذيله (16) الأطماع، جامعا لفروع (17) هذا الفن وقواعده، حاويا لنكت مسائله وفوائده، مائلا عن غاية (18) الإطناب إلى نهاية الإيجاز، لائحا عليه مخايل السحر ودلائل الإعجاز، بحيث إنه (19) من شدة الإيجاز كاد يعد (20) من الألغاز [وهو ما قيل] (21).