[مقدمة المؤلف]
(¬1) بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وأشكره شكرا كثيرا، والصلاة والسلام على من بعث بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، محمد المصطفى ناسخ الملل، وخاتم الأنبياء والرسل، وعلي آله وصحبه الطيبن الطاهرين، والرضوان على علماء الدين، ومن تبعهم من المسلمين، ما قرئ السبع المثاني والمئين، وبعد:
فإني لما فرغت من توشيح رجال معاني الآثار، شرعت في الشرح الذي ترجمته بمباني الأخبار، متوكلا على العزيز الغفار، وقد بينت هناك طريق روايتنا للكتاب عن الشيخ الإمام العلامة: أبي جعفر الطحاوي -سقى الله ثراه- وجعل الجنة مثواه، ولنشرع الآن فيما سبق الوعد به، فنقول:
قال الشيخ الإمام العلامة أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي الطحاوي -رحمه الله-:
ص: سألني بعض أصحابنا من أهل العلم أن أضع له كتابا أذكر فيه الآثار المأثورة المروية عن رسول الله - عليه السلام - في الأحكام التي يتوهم أهل الإلحاد والضعفة من أهل الإسلام أن بعضها ينقض بعضا؛ لقلة علمهم بناسخها من منسوخها، وما يجب [به] (¬2) العمل منها، لما يشهد له من الكتاب الناطق، والسنة المجتمع عليها، وأجعل لذلك أبوابا، أذكر في كل باب منها ما فيه من الناسخ والمنسوخ، وتأويل العلماء، واحتجاج بعضهم على بعض، وإقامة الحجة لمن صح عندي PageV01P029 # قوله منهم، بما صح به مثله من كتاب أو سنه أو إجماع أو تواتر، من أقاويل الصحابة أو تابعيهم، وإني نظرت في ذلك وبحثت عنه بحثا شديدا، فاستخرجت منه أبوابا على النحو الذي سأل، وجعلت ذلك كتبا، ذكرت في كل كتاب منها جنسا من تلك الأجناس، فأول ما ابتدأت بذكره من ذلك: ما روي عن رسول الله في الطهارة، فمن ذلك:
ش: قال محمود -عفا الله عنه -: قد جرت عادة السلف والخلف أن يعنونوا أوائل رسائلهم وكتبهم وخطبهم بالبسملة، ثم بالحمدلة؛ اقتداء بالكتاب العزيز المستفتح به كذلك، وعملا بقوله - عليه السلام -: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله وبسم الله الرحمن الرحيم أقطع".
رواه الحافظ عبد القادر الرهاوي في أربعينه.
وفي رواية أيضا أبي داود (¬1) والنسائي (¬2): "كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم".
وفي رواية ابن ماجه (¬3): "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع".
ورواه أبو عوانة وابن حبان في صحيحيهما (¬4)، قال ابن الصلاح: ورجاله رجال الصحيحين سوي قرة بن عبد الرحمن؛ فإنه ممن انفرد به مسلم بالتخريج له، قال: وهو حديث حسن صحيح، وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم: إنما بدأ -يعني مسلما- كتابه بالحمد لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "كل أمر ذي بال لا يبدأ بالحمد لله أقطع" وفي رواية: "بحمد الله"، وفي PageV01P030 # رواية: "بالحمد فهو أقطع"، وفي رواية: "أجذم"، وفي رواية: "لا يبدأ فيه بذكر الله"، وفي رواية: "ببسم الله الرحمن الرحيم".
ومعنى "أقطع": قليل البركة وكذلك "أجذم" -بالجيم والذال المعجمة- ويقال فيه: جذم بكسر الذال يجذم بفتحها، وقيل: الأجذم مقطوع اليد.
وقيل: الأبتر الذي لا عقب له.
فإن قيل: فلم اقتصر أبو جعفر على ذكر البسملة، ولم يسلك منهج غيره من الابتداء بالبسملة والتثني بالحمدلة؟