الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى أما بعد: فقد وقف العبد، على هذه الفوائد والجواهر الزواهر، فلم يجدها أبقت مقالا لقائل، ولا مرمى لمناضل، وحاصل الأمر أن المسألة، تتعلق بحديث الأعمش عن أبي صالح في النهي عن سب الصحابة، هل هو عن أبي هريرة أو أبي سعيد، أو عنهما جميعا؟ فقد تلخص في هذه الفوائد، جميع ما يتعلق بتحرير ذلك، ومحل النظر، إنما هو: فيما رواه مسلم عن مشايخه الثلاثة: يحيى بن يحيى.
وأبي كريب.
وأبي بكر بن أبي شيبة.
ثلاثتهم عن معاوية.
هل رواية هؤلاء عن أبي معاوية أن الحديث من مسند أبي هريرة أو أبي سعيد؟ ولا يفصل الأمر في ذلك إلا النظر فيمن رواه عن هؤلاء الثلاثة غير مسلم.
فإن وجدنا من رواه عنهم أو عن أحدهم وافق مسلما، أو وجدنا بعضا وافقه وبعضا خالفه، حسن القول، بأنه كان عند أبي معاوية على الوجهين، إن استوى الجميع في الحفظ والإتقان.
وإن وجدناهم أطبقوا على مخالفته، فترجح روايتهم على روايته، بأن العدد الكثير، أولى بالحفظ من الواحد، كما قال إمامنا الشافعي رضي الله عنه.
فأما أبو بكر بن أبي شيبة فلم نجده من روايته عن أبي معاوية إلا من مسند أبي سعيد.
وكذلك أورده في «مسنده» وفي «مصنفه» جميعا.
وكذلك أخرجه أبو نعيم في مستخرجه على مسلم عن الطلحي، عن عبيد بن غنام، عن أبي بكر بن أبي شيبة.
وأما أبو كريب فوجدناه من رواية ابن ماجه عنه.
إلا أن نسخ ابن ماجه اختلفت فيه، ففي بعضها: عن أبي هريرة.
وفي بعضها: عن أبي سعيد.
ورأيت هذا الحديث في نسخة الحافظ زكي الدين المنذري، وقد كتب في الحاشية بخطه: عن أبي سعيد، وضببت عن أبي هريرة في الأصل.
فيحتمل أن يكون اعتمد على قول صاحب الأطراف، من أن أبا كريب إنما رواه من حديث أبي سعيد، ويحتمل أن يكون تبين له بطريق أخرى.
ثم وجدته في أصل عتيق جدا، تاريخ الأسمعة فيه: في سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، وقد قرئ على أصحاب صاحب ابن ماجه، وهو في نهاية الضبط والتحرير.
ووجدته فيه: عن أبي سعيد الخدري، من غير تردد.
وسنبين فيما بعد، أنه يتعين أن يكون عنده عن أبي كريب من مسند أبي سعيد لا من مسند أبي هريرة.
وأما يحيى بن يحيى التميمي، فلم أقف عليه من روايته الآن.
وظهر من سياق أبي نعيم الأصبهاني في مستخرجه على صحيح مسلم، أن الحديث عن هؤلاء الثلاثة إنما هو من حديث أبي سعيد.
وبيان ذلك: أنه قال ما نصه: حدثنا أبو بكر الطلحي، أنا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة (ح) .
وثنا جعفر بن أحمد، أنا عبد الله بن محمد، ومحمد بن إبراهيم قالا: ثنا أحمد بن علي هو أبو يعلى الموصلي، ثنا أبو خيثمة (ح) .
وثنا جعفر بن محمد، أنا أبو حصين الوادعي، أنا يحيى بن عبد الحميد (ح) .
وثنا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي (ح) .
وأنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا أحمد بن جواس أبو عاصم، قالوا: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد. . . فذكر الحديث.
وقال في آخره: لفظ أبي بكر: رواه مسلم، عن أبي بكر، ويحيى بن يحيى، وأبي كريب، كلهم عن أبي معاوية.
فظاهر هذه العبارة تقتضي أن مسلما إنما رواه عن هؤلاء الثلاثة عن أبي معاوية بالإسناد الذي ساقه أبو نعيم.
ويؤيد ذلك: اصطلاحه في جميع كتابه: المستخرج على نحو ذلك، إذا أخرج الحديث على الموافقة.