فبارك الله تعالى في علومه الباهرة، ومحاسنة المتظاهرة إلى أن انتشرت تصانيفه وتلاميذه، وكثر العدول الآخذون لطريقته بعده، حتى ملأ علمه طبق الأرض كما بشر به الصادق المصدوق.
قال محمد بن الحسن: إن تكلم أصحاب الحديث يوما فبلسان الشافعي. PageV01P021
وقال أحمد بن حنبل: ما أحد من أهل الحديث مس محبرة ولا قلما إلا وللشافعي في رقبته منة.
وقال الزعفراني: كان أصحاب الحديث رقودا حتى أيقظهم الشافعي. انتهى.
وإنما بدأت بهذا الفصل ملخصا له من كلام النووي -رحمه الله- تبركا به، وسيأتي بسط هذا وإيضاحه في الباب الثاني إن شاء الله. PageV01P022
الباب الأول ويشتمل على ثلاثة فنون PageV01P023
PageV01P024
الفن الأول في سلسلة الذهب الجامعة بين طريقتين المحدثين
والفقهاء
وذلك إن أئمة الحديث اختلف اختيارهم في أصح الأسانيد، فاشتهر عن إمام الفن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري أنه قال: أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن ابن عمر، فجاء من بعده فقال: ينبغي أن يضم إلى هذه الترجمة الشافعي لإطباقهم على أنه أجل من أخذ عن مالك، فيقال: الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر، ثم جاء بعض المتأخرين من شيوخ شيوخنا وتبعه جماعة من شيوخنا فقالوا: أخص من هذا أن يكون من رواية أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- ففتشنا فما وجدنا ورد بهذه الترجمة إلا أربعه أحاديث هي في الأم للشافعي ومن قبله لشيخه مالك في الموطأ مفرقة، وأوردها أحمد في مسنده مجموعة.
فأفردت هذه الأحاديث الأربعة في فصل مفرد ثم تلوته بفصل يشتمل على ما جاء من رواية الإمام أحمد عنه لأنه أصح الأسانيد على قول من قدمنا ذكره من القدماء. PageV01P025
ثم أوردت ما يلتحق بسلسلة الذهب من رواية الأئمة الثلاثة على نسق ولو لم يكن من رواية نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- في فصل آخر وقدمته في الذكر ثم ألحقت به ما وقع لنا من رواية أحمد عن الشافعي متصلا.
ولما انتهى ما يتعلق بهذه السلسلة الشريفة ذكرت نوعا يعتني به أهل الحديث ويتغالون فيه وهو الموافقة العالية، فأوردت منها عشرة أحاديث وقعت لي عالية موافقة لجماعة من الأئمة الذين صنفوا السنن، وهذا هو الفن الثاني من هذا الكتاب.
ثم أوردت فنا ثالثا وهو الرواية عن كبار الآخذين عن الإمام مع الإشارة إلى شيء من أحوالهم يظهر منه مقدارهم، وتشيع معه آثارهم وتنتشر عنه أخبارهم، ليتذكر من بعد عهده بهم عهدهم، ويجدد لهم الرحمة من بعدهم.
وهذا حين الشروع فيما إليه قصدت، والاعتماد على الله فيما له أردت، وهو المستعان وعليه التكلان. PageV01P026