بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي
اللهم إني أحمدك في ما ألهمت من المحامد، وأشكرك على فضلك البادي والعائد، وأستنصرك على كل معاند ومكائد، وأعوذ بك من شر كل باغ وحاسد، وأصلي وأسلم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه الصادعين بالحق في جميع المشاهد.
أما بعد فإني شرعت في شرح صحيح البخاري في سنة ثلاث عشرة وثمان مئة بعد أن كنت خرجت ما فيه من الأحاديث المعلقة في كتاب سميته: "تغليق التعليق" وكمل في سنة أربع وثمان مائة في سفر ضخم، ووقف عليه أكابر شيوخي، وشهدوا بأني لم أسبق إليه.
ثم عملت مقدمة الشرح فكملت في سنة ثلاث عشرة المذكورة، ومن هناك ابتدأت في الشرح، فكتبت منه قطعة أطلت فيها التبيين، ثم خشيت أن يعوق عن تكملتة على تلك الصفة عائق، فابتدأت في شرح متوسط، سميته "فتح الباري بشرح البخاري" فلما كان بعد خمس سنين أو نحوها وقد بيض منه مقدار الربع على طريقة مثلي وقد اجتمع عندي من طلبة العلم المهرة جماعة وافقوني على تحرير هذا الشرح بأن أكتب الكراس ثم يحصله كل منهم نسخا، ثم يقرؤه أحدهم ويعارض معه رفقته مع البحث في ذلك والتحرير، فصار السفر لا يكمل منه إلا وقد قوبل وحرر من ذلك النظر في ذلك الزمن اليسير لهذه المصلحة، إلى أن يسر الله تعالى إكماله في شهر رجب سنة اثنتين وأربعين.
وفي أثناء العمل كثرت الرغبات في تحصيله ممن اطلع على طريقتي فيه PageV01P007 # حتى خطبه جماعة من ملوك الأطراف بسؤال علمائهم لهم في ذلك فاستنسخت لصاحب الغرب الأدنى نسخة مما كمل منه، وذلك بعناية الإمام المتقن زين الدين عبد الرحمن البرشكي بكسر الموحدة والراء المهملة وسكون المعجمة، وكان ملك الغرب يومئذ عبد العزيز الحوصي المعروف بابن فارس، وكان الذي كمل من الكتاب المذكور حينئذ قدر ثلثيه، واستنسخت لصاحب المشرق نسخة بعد ذلك بعناية العلامة الحافظ شيخ القراء شمس الدين الجزري، والملك يومئذ شاه رخ، وجهزت له من قبل الملك الأشرف، ولم يكن الكتاب كمل ثم في سلطته الملك الظاهر جهز له نسخة كاملة، وكان سبب رغبتهم فيه اشتهار المقدمة فصار من يعرف فصولها يتشوق إلى الأصل.
وفي سنة اثنتين وعشرين أحضر إلي طالب علم كراسة بخط محتسب القاهرة الذي تولى بعد ذلك قضاء الحنفية في الدولة الأشرفية، فرأيت فيه ما نصه:
الحمد لله الذي أوضح وجوه معالم الدين، وأفضح وجوه الشك بكشف النقاب عن وجه اليقين، بالعلماء المستنبطين الراسخين، والفضلاء المحققين الشامخين، فاستمر في هذا المهيع يذكر من تصدى لجمع السنن النبوية، إلى أن ذكر البخاري وذكر فضل كتابه الصحيح، وأنه فإن غيره، ولذلك أقبل عليه كبار العلماء وعملوا عليه شروحا إلى أن قال:
لكن لم يقع لي شرح يشفي العليل، ويروي الغليل، لأن منهم من طول فأمل، ومنهم من قصر فأخل، على أنه لم يقصد واحد منهم على كثرتهم لشرحه لما هو المقصود، ثم ذكر أن الذي دعاه إلى شرح هذا الكتاب أمور:
أحدها: أن يعلم أن في الخبايا زوايا (¬1). PageV01P008
وثانيها: قطع حجة من يدعي الانفراد في هذا الباب.
وثالثها: إظهار ما منحه الله من العلوم، ثم أخذ في ذم أهل زمانه جميعا، أما علماؤهم فلما عندهم من الحسد، وأما رؤساؤهم فلما عندهم من الشح والتهاون بالعلماء.
ثم وصف ما عزم عليه من شرح هذا الكتاب بأن يظهر صعابه، ويبين معضلاته، ويوضح مشكلاته، بحيث أن الناظر فيه إن أراد المنقول ظفر بآماله، وإن أراد المعقول فاز بكماله .. إلى أن قال: