المجلد الأول
مقدمة
...
المقدمة:
الحمد لله منزل القرآن نورا وشفاء، والصلاة والسلام على سيد الرسل وخاتم الأنبياء، على آله الأصيفاء، وأصحابه النبلاء، ومن اقتفى أثرهم من المفسرين والمحدثين والفقهاء، وسائر العلماء وبعد:
فلما كان الإنسان مسافرا في هذه الحياة، كان لا بد من دليل يرشده في مسالكها، ويعرفه بأخطارها، ويبين له ما سينقلب إليه، ويقبل عليه، من دار أخرى فيها النعيم للمتقين، والجحيم للخائضين المعرضين.
وقد أرسل الله رسلا كراما وأنزل عليهم كتبا، تنير الطريق، وتعصم السالكين، إلى أن ختم الأنبياء بسيدهم الهادي البشير محمد صلى الله عليه وسلم، وأيده بمعجزاته وأنزل عليه كلماته وقال: {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا، فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما} 1 وقال: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} 2 PageV01P005
وقد بلغ صلوات الله وسلامه عليه الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ودعا إلى الله بحاله، وقاله، فاستنارت الدنيا بهديه، وأشرقت الظلمات بسنته، وطابت الحياة بأيامه وأحكامه، وقد ترك فينا من إن تمسكنا به فلن نضل؛ كتاب الله وسنته1، ومن هنا كان من المحتم على الأمة الاعتصام بهما، والورود إليهما والصدور عنهما.
ولا بد لذلك من الإقبال على درسهما، والبحث الدائم عن أسرارهما، والتطلع الدائم إلى أحكامهما وإرشاداتهما، فهما العالم المحقق واللبات المصفى يقول الحافظ ابن حجر:
"إن أولى ما صرفت فيه نفائس الأيام، وأعلى ما خص بمزيد الاهتمام الاشتغال بالعلوم الشرعية، المتلقاة عن خير البرية، ولا يرتاب عاقل في أن مدارها على كتاب الله المقتفى، وسنة نبيه المصطفى، وأن باقي العلوم إما آلات لفهمها وهي الضالة المطلوبة، أو أجنبية عنهما وهي الضارة المغلوبة"2.
وما من ريب في أن علم التفسير أفضل العلوم:
يقول الإمام أبو الفرج بن الجوزي "ت579ه":
"لما كان القرآن العزيز أشرف العلوم، كان الفهم لمعانيه أوفى الفهوم؛ لأن شرف العلم بشرف المعلوم"3.
وقد روى أبو الليث السمرقندي4 بسنده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه PageV01P006
أنه قال: "من أراد العلم فليثر القرآن، وفي رواية أخرى: فليثور1 القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين"2.
وهو المراد بالحكمة:
فقد أخرج ابن حاتم وغيره من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {يؤتي الحكمة} 3 قال: المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله4.
وأخرج عن أبي الدرداء أيضا: "يؤتي الحكمة" قال: قراءة القرآن والفكرة فيه5. فمن علمه الله علم كتاب فقد أنعم عليه فليفرح وليشكر، ومن حرمه الله فذاك محروم فليتب وليقبل.
يقول عمرو بن مرة: ما مررت بآية في كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنتني؛ لأني سمعت الله يقول: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} 6. PageV01P007
ويقول الإمام الحافظ سفيان بن عيينة "ت: 198" في قوله تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} 1: أنزع عنهم فهم القرآن، وأصرفهم عن آياتي2.